Navigation

الساعات السويسرية في عصر الإقتصاد الأخضر

ألكسندر هوسنر (إلى اليسار) وجيل فيشر من شركة بريسيلينغ ومقرها برن متخصصان في فصل واستعادة النفايات المعدنية من صناعة الساعات. صمويل يابرغ. Samuel Jaberg / swissinfo.ch

تستخدم الصناعة السويسرية ما يقرب من 120 ألف طن من الفولاذ المقاوم للصدأ سنويًا، مما يجعلها واحدة من أكبر مستهلكي هذا المعدن في أوروبا. وقد نشأت في البلاد عدة مصانع لإعادة تدوير وتجويد هذه المواد الخام محليًا، لا سيما في مجال صناعة الساعات.

هذا المحتوى تم نشره يوم 22 سبتمبر 2021 - 11:00 يوليو,

شأن مكب النفايات بريسيكلنغ (Precyling) في رِكونفيليه (Reconvilier) الواقعة بمرتفعات جورا ضمن كانتون برن، شأن العديد من المطامر الأخرى في سويسرا ، في ساحته رافعة يتعلّق في نهايتها هيكل سيارة تعيش ساعاتها الأخيرة ، إلى جانب عشرات الأمتار المكعبة من الأخشاب والورق والكرتون والزجاجات الفارغة والخِرق وغيرها من المواد التي تنتظر شحنها إلى مراكز إعادة التدوير المتخصصة.

في ركونفيليي Reconvilier ، إحدى قرى كانتون برن يبلغ عدد سكانها حوالي 2000 نسمة ، توجد العديد من الشركات الصناعية ومركز كبير لإعادة التدوير. swissinfo.ch/Céline Stegmüller

غير أن ما يلفت انتباه الزائر، ذلك المبنى الإداري المجاور لهذا الخليط المصفف بانتظام، فغرفه مزودة بأنظمة إنذار، وجدرانه زجاجية ، وكراسيه ذات تصاميم فاخرة ، وفيه قاعة اجتماعات مجهزة بتلفزيون كبير : كل شيء هنا يتناقض مع الصورة المعتادة لمراكز إعادة التدوير ، ويقول ألكسندر هوسنر، مدير شركة بريسيكلنغ: "كان علينا تكييف معاييرنا مع عالم صناعة الساعات".

المدخل "في آي بي" (VIP) خاص بممثلي ماركات الساعات. swissinfo.ch/Céline Stegmüller

وفي كل عام، بالإضافة إلى أنشطتها التقليدية، تقوم الشركة في سرية تامّة بتفكيك مئات الآلاف من "مكونات الساعات" لنحو عشرين علامة تجارية في المنطقة ، هي في الغالب مكونات ساعات غير مباعة تم سحبها من السوق تجنبًا لتغذية السوق الرمادية ، ومنها أيضًا ما كان خطأ في التصنيع، وبعد ذلك تقوم الشركة، بكل عناية ويدويًا في غالب الأحيان، بفرز المعادن المختلفة: الذهب والفضة والتيتانيوم والفولاذ، إلخ قبل سحقها ثم إعادة تدويرها.

شاهد القطع التي تنتظر أن يتم فرزها ثم سحقها ثم إعادة تدويرها أخيرًا. swissinfo.ch/Céline Stegmüller

يوضح جيل فيشر، المدير الفني لشركة بريسيكلنغ: "قبل سنوات قليلة، كانت البقايا الفائضة لشركات صناعة الساعات تُفتت بواسطة بكرات الضغط إلى قطع صغيرة، يتم فرزها بشكل نسبي جدًا".

ذهب جورا

في سويسرا ، لست صناعة الساعات أول القطاعات الاقتصادية التي تتعرّض بوجه عام للوم على التقصير بشأن الاستدامة، بل إن تجارة السلع الأساسية أو المواد الخام، ومصلحة الضرائب، تعرّضت بشكل أكبر إلى وابل من النقد، ومع ذلك، كان التقريررابط خارجي الذي نشره الصندوق العالمي للطبيعة (WWF) في أواخر عام 2018 شديد القسوة تجاه الآثار الاجتماعية والبيئية للصناعة: "أكثر خطورة مما قد يبدو للوهلة الأولى".

وتكمن القضية في عاملين تعتبرهما منظمة البيئة "مقلقين للغاية"، وهما الطلب القوي على المواد الخام الثمينة، وافتقار معظم شركات الساعات إلى الشفافية.

بيد أن الأمور آخذة في التغيير تدريجيًا، فعلى الطرف الآخر من مكب النفايات في ركونفيليه، يوجد مستودع شبه مغطى وواسع، فيه عدة حاويات مليئة إلى حوافها بالبرادة التي تأتي من شركات معالجة القطع المعدنية في المنطقة، ويحدثنا جِيل فيشر بينما يشير إلى الحاوية ذات المحتوى الأكثر قتامة قائلًا: "هذا الفولاذ، من النوع 4441، يُستخدم لصنع أجزاء من الساعات والصناعات الطبية، إنه الذهب الأسود في جورا!".

برادة الفولاذ من نوع 4441. swissinfo.ch/Céline Stegmüller

الأقلمة .. كلمة السر

قبل إعادة استخدام الفولاذ المعاد تدويره في مصنع ركونفيليه - أكثر من 20 طنًا شهريًا - في الصناعة السويسرية، يُشحن إلى أفران مصنع أوجيتِك (Ugitech) في منطقة سافوا في فرنسا ليصهر ويُحوّل إلى قضبان فولاذية قابلة للتشكيل، وتعتبر شركة باناتيري، المقاول في صناعة الساعات، ومقرها في جورا، أول من تأسس ضمن سلسلة مصانع الفولاذ المقاوم للصدأ المعاد تدويره في البلاد.

"سبائك الصلب هي المادة الخام الأكثر استخدامًا في صناعة الساعات، التي تستخدم وحدها ما يقرب من 9000 طن سنويًا، فيما يتم إرسال ما يقرب من 1500 طن من برادة الصلب الناتجة من صنع الساعات إلى الصين لصهرها وإعادة تدويرها إلى قضبان بجودة متواضعة لها تأثير سلبي على المستويين البيئي والاقتصادي"، وفق قول رافائيل برُويّ، مؤسس شركة باناتيري.

وفقًا لحسابات باناتيري، تقل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الصلب المعاد تدويره ست مرات مقارنة بالفولاذ المنتج تقليديًا، وهذه قضية مهمة للغاية في وقت تُلزم فيه شركات صناعة الساعات كغيرها بالإبلاغ عن الإجراءات التي تتخذها لصالح المناخ والبيئة، كما أعطت الزيادة في أسعار المواد الخام وصعوبات التوريد الناجمة عن أزمة فيروس كورونا دفعة كبيرة لمشروع الشركة في جورا.

ويقول رافائيل برُوي: "نحن على اتصال مع كبرى شركات صناعة الساعات المهتمة بالصلب المعاد تدويره، وبالنسبة لصناعة الساعات السويسرية، سيكون إضفاء الطابع الإقليمي على الإنتاج بلا شك شعار العقود المقبلة"، والهدف التالي لصاحب شركة باناتيري هو بناء فرن صناعي شمسي في منطقته بتكلفة حوالي 10 مليون فرنك، وبالتالي، من الناحية النظرية، سيكون بالإمكان دائمًا استخدام الفولاذ المعاد تدويره ولم يغادر سويسرا.

"سيركولار 1" (Circular 1) ، أول ساعة مصنوعة من الصلب المعاد تدويره من شركات في منطقة جورا. idWatch.ch

أول ساعة من الفولاذ المعاد تدويره بالكامل

ولتوها، أطلقت شركة إي دي جنيف (ID Genève) أول ساعة مصنوعة من هذا الفولاذ المعاد تدويره، وبيع منها 300 قطعة من طراز "سيركولار 1" (Circular 1) في أقل من 48 ساعة، خلال حملة تمويل تشاركية في ديسمبر 2020، وبسعر الواحدة 3500 فرنك، وتحمل علامة "سيركولار صناعة سويسرية" (Circular Swiss Made)، وللساعة إطار فولاذي معاد تدويره، فضلًا عن محرك أوتوماتيكي مجدد، وحزام قرمزي.

ويؤكد نيكولاس فروديغر، المؤسس المشارك لشركة إي دي جنيف ، قائلًا: "تلقينا ردود ايجابية ممتازة من عملائنا ، معظمهم من جيل الألفية الذين يحبون أن تنعكس حيويتهم على معاصمهم، وليس مجرد ارتداء شيء فاخر يعكس غناهم".

نيكولاس فروديغر ، المؤسس المشارك لشركة إي دي جنيف (ID Genève) . idWatch.ch

وأوضح نيكولاس فروديغر إلى كيف أنه لا يزال هناك حتى اليوم عدد كبير من عملاء صناعة الساعات السويسرية التقليديين، لا سيما في البلدان الآسيوية، يتشككون من فكرة ارتداء ساعة فاخرة مصنوعة من مواد معاد تدويرها ، في حين، تُشير العديد من الدراسات إلى أن الاستدامة أصبحت أحد معايير شراء الساعات، ذات الأهمية المتزايدة حتى في أوساط الأثرياء.

ومن جانبه، يعتقد ألكسندر هوسنر، في ركونفيليه، أن المسيرة قد بدأت، ويثق في مستقبل أعماله، ويقول معربًا عن توقعاته: "نحن نحث الخطى نحو صناعة ساعات أكثر استدامة وملائمة للبيئة، وأعتقد أنه في غضون بضع سنوات، سيصبح الفولاذ المعاد تدويره المعيار لمعظم صانعي الساعات السويسريين".

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.