Navigation

"انتهى العصر الذي كان فيه تدريس الأديان في المدارس العمومية مثار جدل"

شباب يستمعون إلى توضيحات حول تاريخ رجال الإصلاح الديني في سويسرا يوم 7 نوفمبر 2017. © Keystone / Martial Trezzini

أثارت الهجمات الارهابية التي استهدفت بعض البلدان الأوروبية مؤخرا ونفذها شبان في عمر الزهور العديد من الأسئلة حول كيفية الرد على هذه الهجمات، وكيفية مكافحة التشدد الديني. وأي دور يجب أن تضطلع به المدارس والتعليم عموما في هذا المجال.

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 ديسمبر 2020 - 11:00 يوليو,

إذا كانت ردود الفعل الأولى في البلديْن المُهاجَميْن اتجهت إلى المطالبة بغلق دور العبادة التي تنشر الفكر المتشدد، وإلى حل بعض الجمعيات وتشديد القوانين، فإن أصواتا أخرى ارتفعت للمطالبة بأن تتحوّل المؤسسات التعليمية إلى منارات لحرية التعبير وللفكر المتنوّر.

إن التجربة البيداغوجية السويسرية في هذا المجال تستحق التنويه، فقد تبنت مدارس بلد جبال الألب إصلاحات متتالية في مجال تدريس الموضوعات الدينية منذ تسعينيات القرن الماضي بالتوازي مع التغيّرات التي طرأت على المشهد الديني في البلاد. وربما حان الوقت أيضا للتساؤل حول حصيلة هذه التجربة التي تمتد لثلاثة عقود.

لتحقيق ذلك، حاورت swissinfo.ch مؤرخ الأديان أندريا روتا، والذي هو أيضا أستاذ بجامعة برن، وسبق له أن ألّف كتابيْن حول هذا الموضوع، الذي يظل "منطقة رمادية". وكان سؤالنا الأوّل لمؤرخ الاديان:

swissinfo.ch: قال يحي بالافيتشيني عضو المجلس الأوروبي للقادة الدينيين، إنه لخلق جو من الإحترام المتبادل بين الثقافات والأديان، يجب توفير فضاء لتدريس الموضوعات الدينية بطريقة "تُمنح فيها الأولوية للمعارف قبل العقائد". ما هي الطريقة المثلي لتدريس هذه المادة، حسب رأيك؟

أندريا روتا: أعتقد أن مصطلح "تعليم متعدد الأديان" ليس المصطلح المناسب، بالنظر إلى أن الأمر لا يتعلّق بتدريس طلاب المدارس منظورا دينيا يشمل وجهات نظر دينية مختلفة. بل إن الأمر يتعلق من وجهة نظري بتقديم مادة تتأسس على تخصص علمي هو علم الأديان. إذن من وجهة نظر تدرس العالم الديني بطريقة غير دينية. تماما مثل البيولوجي الذي يلاحظ خلية تحت المجهر. فعالم الأديان يلاحظ الموضوع الديني بطريقة محايدة وموضوعية، طريقة هي في حد ذاتها ليست دينية. أعتقد أن هذه الطريقة هي الأمثل لتدريس هذه المادة في المدارس لأنه في المؤسسات التعليمية لا يتعلّق الأمر بتدريس الطلاب الدين بوصفه مصدر إلهام في حياتهم.

swissinfo.ch: هل هذه الدروس موجودة في كل المناطق السويسرية؟ 

أندريا روتا: أغلبية الكانتونات توفّر دروسا خاصة حول الموضوعات الدينية  أو موادّ دينية. وعلى الرغم من أن الطرق التي تقدم بها هذه المادة تختلف من كانتون إلى آخر، فإن الأفكار الأساسية التي تقف خلفها هي نفسها تقريبا، ويتعلق الأمر بتقديم دروس حول أديان متعددة، بطريقة تسعى إلى أن تكون محايدة، ويُتوجّه بها إلى كل الطلاب، بغض النظر عن انتمائهم أو عدم انتمائهم الديني. 

دكتور في الأداب. درس علم الاديان والتاريخ المعاصر والإنتروبولوجيا الأجتماعية في جامعة فريبورغ. عمل في جامعة بايرويت بألمانيا، ويعمل حاليا أستاذا في قسم الدراسات الدينية بجامعة برن. Andrea Rota

إن وجود هذا النوع من الدروس في المؤسسات التعليمية العمومية لم يعد أحد يشكك فيه. ولكن في المقابل أيضا، فإن العدد القليل للساعات المخصصة لهذه المادة يجعل منها مادة هامشية.

swissinfo.ch: تاريخيا، وقبل نشأة المدرسة الحديثة، ما هي المؤسسات التي كانت مكلفة بالدروس الدينية في سويسرا؟ وما هي الغاية التي كانت مرجوة منها؟

أندريا روتا: قبل ظهور المدرسة الحديثة، كان التعليم المدرسي يُدار من طرف مؤسسات دينية: في الكانتونات الكاثوليكية، كانت الكنيسة الكاثوليكية مسؤولة عن التعليم العام وفي الكانتونات البروتستانتية، كان الأمر كذلك أيضا. لكن بدءً من القرن التاسع عشر، تولت الكانتونات مسؤولية التعليم، وأصدرت الكنفدرالية مرسوما يقضي بفصل تدريس الدين عن المواد الأخرى. وفي نهاية القرن التاسع عشر، أصبحت المدرسة مؤسسة علمانية تمنح فضاءً محدودا جدا لتدريس الدين بشكل منفصل عن بقية المواد التعليمية. وظل التعليم الديني من مسؤولية الكنائس حتى نهاية القرن العشرين تقريبا.

swissinfo.ch: متى حدث هذا التغيير؟

أندريا روتا: منذ الستينات، نرى داخل الكنائس انفتاحا مسكونيا، ومن ثم بين الأديان المتعددة في إطار هذه المادة التعليمية. ولكن مع مطلع الألفية الجديدة، بسطت الدولة نفوذها على التعليم الديني، وتغيّر منظورها من خلال تحويله إلى تعليم محايد موجّه إلى جميع الطلاب، كما لم يعد الهدف منه الحفاظ على استمرار طوائف وتقاليد دينية معيّنة.             

swissinfo.ch: أي شكل اتخذه هذا التغيير الذي طرأ في نهاية القرن العشرين؟

أندريا روتا: لاحظ العديد من الفاعلين الاجتماعيين، في أواخر التسعينات، أن المشهد الديني في سويسرا قد أصبح أكثر فأكثر تعددية، وطالبوا بأن يتمكّن الطلاب من التعرّف على هذه التعددية بشكل أفضل. وبات يُنظر إلى التعليم الديني التقليدي الذي تشرف عليه الكنائس على أنه في تعارض مع الانتماءات الدينية المتعددة لدى الطلاب في الفصول الدراسية من حيث المبدأ. ولابد من الملاحظة أيضا أن الدستور الفدرالي لا يسمح بإجبار الطلاب على متابعة تعليم ديني. في المقابل، فإن الدروس التي تكون حول أديان متعددة وباستخدام مقاربة محايدة، وتكون الدولة الضامنة لذلك، يُمكن إدماجها في البرنامج التعليمي الإجباري، وتكون مُلزمة لكل الطلاب. 

swissinfo.ch: إلى أي مدى تشارك المجتمعات الدينية في تدريس هذه المادة؟ وهل مساحات هذه المشاركة متساوية؟

أندريا روتا: ليس ممثلو الطوائف الدينية هم من يُقدمون هذا التعليم. في بعض الكانتونات، يحق للكنائس المعترف بها بموجب القانون العام استخدام المباني المدرسية لتقديم دروس دينية تخصها، ولكن هذا التعليم هو شيء آخر غير الذي تحدثنا عنه حتى الآن. ومع ذلك، لايزال يتم التشاور مع الكنائس عند إعداد المواد المدرسية الخاصة بهذه المادة حول الأديان. فضلا عن ذلك، فإن تدريب المدرسين والمدرّسات، الذي يقوم به أشخاص قاموا بدراسات سابقة في مجال علم اللاهوت، بمعنى آخر، متأثرين بشكل غير مباشر بتقليد ديني مسيحي مُعيّن. أما بقية الطوائف الدينية، فهي لا تشارك في النقاشات المتعلقة بتنظيم تدريس هذه المادة، وعلى وجه الخصوص الطوائف الدينية غير المعترف بها في سويسرا.

swissinfo.ch: هل يُمكن القول أن التجربة السويسرية "رائدة" في هذا المجال؟

أندريا روتا: لن أقول إن التجربة السويسرية رائدة على المستوى العالمي، أو حتى على المستوى الأوروبي. هناك دول أخرى شهدت إصلاحات مماثلة في نفس الفترة، كما حصل على سبيل المثال، في بعض المقاطعات الالمانية. وقامت كندا بدور مهم في النقاشات الدائرة في هذا المجال، خاصة المقاطعات الناطقة بالفرنسية، مثل كيبك. وفي فرنسا، كانت مسألة تدريس الموضوعات الدينية جزءً قضية ملازمة للنقاشات حول العلمانية في نهاية القرن العشرين. لذلك لا أعتقد أنه يمكن الإدعاء بأن سويسرا قد قامت بدور رائد في هذا الباب. لكن، مع ذلك، تشارك سويسرا اليوم بشكل كبير في المناقشات الدولية حول هذا الموضوع، من خلال باحثيها وباحثاتها، بل يُمكن القول أن هؤلاء يضطلعون اليوم بدور قيادي في شبكات البحث الدولية.

swissinfo.ch: في ضوء المستجدات الدولية، إلى أي مدى يمكن أن يساعد التدريس المتعلق بالأديان، والمعتمد لمنهج يقوم على المعرفة وثقافة الحوار والإنفتاح، في منع انتشار التعصب والعنف وكراهية الآخر؟

أندريا روتا: سؤال من الصعب تقديم إجابة نهائية عليه. لكن لاشك فيه أن من بين الحجج المدافعة عن هذا التعليم في المؤسسات العمومية نجد بالطبع فكرة توسيع المعرفة المتبادلة والسماح للطلاب بالإطلاع على رؤى أخرى للعالم إلى جانب رؤاهم الخاصة. ويبدو لي أن هذا هدف مناسب وإيجابي للغاية. ومع ذلك، ولسوء الحظـ كأكاديمي، أؤكّد أنه لا توجد حتى الآن بيانات وأبحاث كافية للإجابة بالنفي أو الإثبات.

swissinfo.ch: بعد ما يقرب من ثلاثة عقود من تدريس هذه المادة، ما هي حصيلة هذه العملية؟ وما هي التحديات التي تواجه هذا النوع من التعليم؟

أندريا روتا: هناك نقطتان يمكن الحديث عنهما هنا. من ناحية، البعد السياسي: كانت الدروس الدينية في المدرسة العمومية موضوعا مثيرا للجدل حتى أوائل العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، لكن اليوم انتهى ذلك العصر. ومن ناحية ثانية، البعد التعليمي: هذا الفرع من التعليم، يوجد اليوم أمام تحدّ يتطلب حسما في هذا الاتجاه أم ذاك: توجد اليوم في سويسرا عدة نماذج تعليمية مشابهة أو متعارضة في هذا المجال، فهناك النماذج التي تميل إلى النظر إلى الدين في الفصول الدراسية كمصدر محتمل لإلهام الطلاب وتوجيه حياتهم على المستوى الشخصي أو في علاقة بمجتمعهم، وهناك النماذج التي تميل أكثر نحو تدريس يستخدم مناهج علم الأديان، بما يعني ذلك من حياد وموضوعية. ولئن بدا للوهلة الاولى أن هذيْن النموذجيْن متشابهان، لكنهما في الحقيقة ليسا كذلك. وللأسف نادرا ما يتم تحرير الاختلاف بين النموذجيْن، خوفا من أن يوضع ذلك التوافق الموجود حاليا على المستوى السياسي موضع تساؤل.

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.