Navigation

الصيّادون في سويسرا.. هل أضحوا سُلالة مُهدّدة بالانقراض؟

المزارع أندرياس كاسلين، أحد الشخصيات الثلاث المركزية في الفيلم بعد يوم صيد ناجح. Stefan Vogel
هذا المحتوى تم نشره يوم 14 يونيو 2021 - 08:17 يوليو,

قبل التصويت على قانون يمنع اليافعين من الانضمام إلى الصيد في شرق سويسرا، يتطرّق ماريو ثيوس، الحراج والصياد والمخرج السينمائي، إلى فيلمه الوثائقي الجديد، والذي يأمل أن يفتح أعين المشاهدين على عالم "بالكاد يفهمه أحد"، على حد تعبيره. 

يقول ثيوس من كوخه الذي تصطف على جدرانه قرون الوعول في فال كالانكا، كانتون غراوبندن: "إذا جلست لمدة ساعة واحدة وشاهدت على يوتيوب مقاطع الفيديو غير المناسبة عن الصيد، فسيكون هذا الأمر كفيلاً بأن تتكون لديك صورة نمطية عنه: إنها طريقة وحشية لقتل الحيوانات".

"إن أفضل طريقة لأجعل شخص ما يدرك ماهية الصيد، هي دعوته للانضمام إلي. إذا كنت تريد فعلاً معرفة لماذا أفعل ما أفعله، ولماذا أعيش بالطريقة التي أعيش بها، أو السؤال الأهم - كيف يمكنني قتل حيوان ما - فالكتابة أو المناظرة لن يغيّرا كثيراً من مقاربتك للموضوع لأنهما ليسا على الإطلاق الطريقة التي يمكنك أن تدرك بها عمق الموضوع. ليس لدي ما أقوله لك بهذا الشأن. لكنك إذا رافقتني وشاطرتني حياتي، ستدرك حينئذٍ ما أتعرض له أثناء الصيد - ستراني عندما أكون سعيداً، أو عندما أكون حزيناً، وسترى ما يحدث مع ذاتك عندما تكون في مواجهة مع القتل. "

في محاولته لدعوة غير الصيادين إلى التعرّف عن عالمه وأسلوب حياته، أمضى ثيوس، وعلى مدار أربعة مواسم للصيد، العديد من الليالي الباردة يجوب غابات ووديان ثلاثة كانتونات سويسرية متنقّلاً بين ثلاث شخصيات مختلفة قام بأدوارها بإتقان: صياد تحول إلى مصور، وحارس طرائد، ومزارع.   

والنتيجة هذا العمل الإبداعي بعنوان (في البرية – صيادون وجامعون) Wild - Jäger und Sammlerرابط خارجي  ، مدتها 90 دقيقة عن الحياة في المناطق الجبلية السويسرية والدور المحوري الذي يلعبه الصيد بالنسبة للعديد من الناس هناك.

محتويات خارجية

يقول ثيوس البالغ من العمر 41 عاماً: "كنت من المحظوظين لأنني ولدت في عائلة صيادين. ما إن تبلغ سن الثانية أو الثالثة من العمر، حتى يصطحبك والداك إلى الطبيعة مرات عديدة أكثر [من الأطفال في المدن]؛ وسيتسنى لك عند ذلك أن تتناول لحوم الغزلان أو الأرانب. وبالطبع، إذا رأى والداك على الثلج آثار خطى الحيوان الذي كان مثيله في طبقك، فسيقومان بإخبارك عن هويته قائلين: "هذا هو الحيوان الذي أكلته بالأمس". 

يشرح ثيوس كيف أدرك وهو ما زال في سن الرابعة، أن ما يعيشه يمثل البيئة وأسلوب الحياة المناسبين له. بعد أن درس هندسة الغابات في المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ ETH، عمل كصحفي ومخرج أفلام، لكن منذ ست سنوات لاحظ أنه يعاني من الاكتئاب.

ماريو تيس Stefan Vogel

ويقول: "أدركت أنني في عالم لم أختر أن أكون فيه - في الواحدة والأربعين من عمري - كنت أعمل في المدينة ولم يكن يتسنى لي الذهاب إلى الجبال والغابات إلا خلال أوقات فراغي". 

لذلك استقال من وظيفته وذهب للعمل بشكلٍ مستقل ولحسابه الخاص. كانت خطته في الأصل هي إنتاج فيلم وثائقي عن الحيوانات المفترسة السويسرية: الدببة والذئاب والوشق. ولكن بعد مناقشة الأمر مع المنتج مارتن شيلت، قرر الاثنان التركيز على مغامرات الصيادين أنفسهم ما سيتيح له المجال والإمكانيات أكثر للحصول على رحلة عاطفية وسينمائية. 

فريق الممثلين

في البرية" ليس فيلماً يدخل في إطار التعلم والإرشاد والوعظ. إنه ببساطة تصوير حقيقي لأسلوب حياة لن يكون مألوفاً للغالبية العظمى من المشاهدين، الذين يتعرفون على أبطال الفيلم الثلاثة عن كثب. وسيتسنى للمشاهدين أيضاً التأمّل في لقطات تصويرية لطائرة من دون طيار، ذات روعة خيالية لبعض أكثر المناظر الخلابة في سويسرا.  

أورس بيفيغر من كانتون فاليه في جنوب غرب سويسرا هو صياد ضُبط وهو يمارس الصيد بطريقة غير قانونية فتوقّف عن الصيد واستبدل بندقيته بكاميرا وحقق منذ ذلك الحين إسهامات لاقت نجاحاً في العديد من الأفلام، مثل فيلم " ظبي في أعالي فاليه" في عام 2009.

محتويات خارجية

يشرح ثيوس كيف كان الاثنان وعلى مدار أربعة مواسم يقضيان كل مرة أربع أو خمس ليالٍ متتالية في الغابات - متحمّليْن عناء البحث عن صناديق الطعام والشراب التي خبأها بيفيغر - فقط من أجل الحصول على اللقطة التصويرية المناسبة. ".. وهذه القدرة التي كان يتمتع بها بيفيغر في ملاحظته وتأويله للأشياء في الغابة، وهذه المعرفة بالغزلان التي تنم عن باع طويل معها - إنه لأمر يدعو للإعجاب. فقد يُخيّل إليك أنه بإمكانك أن تجد شخصاً بهذه المواصفات فقط في إفريقيا أو أمريكا الشمالية ".  

أندرياس كاسلين صياد ومزارع يعيش في منطقة دوسن ألب في كانتون نيدفالدن، وسط سويسرا. في أحد المشاهد العديدة التي لا تُنسى، يسأله أحد أبنائه عن سر قيامه بحشو غصن مورق في فم غزال بعد أن أرداه قتيلاً للتو. يشرح أندرياس بطريقة مؤثرة كيف أن "اللقمة الأخيرة" هي علامة على "إيرفورتشت "  Ehrfurcht أي الاحترام، الرهبة والتوقير - للحيوان، الذي لن يشعر بعد الآن بالجوع في رحلته إلى الجنة.  

تلقي "اللقمة الأخيرة". Stefan Vogel

بيرمينا كامينادا هي أول امرأة تعمل في مجال تربية الحيوانات في سويسرا، ودون أدنى شك فمكتبها واحد من أجمل المكاتب في العالم: فال أوستغ في كانتون غراوبندن، شرق سويسرا. في مشهد آخر يلفت الأنظار، تقوم كامينادا، وهي مثل ثيوس، من سكان سويسرا الرومانش والبالغ عددهم 50 ألفاً أو نحو ذلك، بقطع رأس غزال (ميت) بينما يلعب الأطفال في خلفية المشهد. (نذكر هنا أن عدة حيوانات أصيبت – إصابات قاتلة - خلال انتاج هذا الفيلم).

"في البرية – صيّادون وجامعون"رابط خارجي

فيلم من إخراج ماريو ثيوس كان عرضه العالمي الأوّل في مهرجان سولوتورن للأفلام في شهر يناير 2021.

سيتم عرضه لاحقا في دور السينما في الهواء الطلق في جميع أنحاء سويسرا في شهري يوليو وأغسطس القادميْن، ومن المنتظر عرضه في داخل قاعات السينما في شهر أكتوبر المقبل.

حظي بالدعم من طرف القنوات التلفزيونية العمومية الناطقة بالفرنسية والألمانية والرومانش، والتي تعتبر - مثل swissinfo.ch - وحدات تابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية.

End of insertion

الأخلاقيات 

بينما ورث ثيوس جين الصيد عن والده، أصبحت أخته طبيبة بيطرية. ويرد في الفيلم مشهد تظهر فيه الطبيبة وهي تقوم بتنظيف أسنان قطة مخدرة، وهو مشهد يسلط الضوء على بعض التناقضات في مواقف كثير من الناس تجاه الحيوانات واللحوم.  

يقول ثيوس: "لا أريد محاربة نظرتك للعالم، لكنني أريد أن أثير فيك حافز البدء في التفكير".  ويضيف: "إذا كانت نيتك مغادرة السينما متمسّكاً بنفس العقلية - وإذا أصرّيت على الاعتقاد بأن هؤلاء الصيادين ليسوا إلا أغبياء مجانين يقتلون الحيوانات، وقلتَ في قرارة نفسك أن الصواب من دون أدنى شك هو في أن يعامل كلبي كإنسان - يمكنك ذلك. لكنني أردت أن أضع بين يديك ما يكفي من المواد بحيث، إذا كنت تتمتّع بعقل منفتح، فلديك هنا كل ما تحتاجه للبدء في التفكير". 

إحدى الحجج الأخلاقية الرئيسية ضد الصيد هي أن قتل الحيوانات الواعية، أي الحيوانات التي يمكن أن تشعر بالألم، هو عمل قاسٍ ووحشي. فكيف يبرر ثيوس ذلك؟  

يجيب ثيوس قائلاً: "حسناً، هذا سؤال صعب [وهو] يشير إلى أن الصيادين يقومون بشيء لا يقوم به أي شخص آخر. إذا عالجت السؤال الأساسي من الناحية الفلسفية - هل يجب قتل حيوان من أجل الحصول على الطعام؟ - أعتقد أن الإجابة هنا ستكون بغاية السهولة، مع التأكيد أن النبل يقتضي عدم قتل أي كائن على الإطلاق".  

"ولكن، كما يظهر في الفيلم، لا ينشأ الصيادون مع هذا الافتتان بالقتل بل يكتسبونه من البيئة المحيطة بهم بكل ما فيها من حياة وحيوانات ونباتات. وهنا نكون قد وصلنا إلى النقطة التي تمثّل المشكلة الوحيدة لمعظم الناس والتي تلخّصها العبارة التالية "ولكنك قتلت شيئاً ما". نعم، لأنني أريد أن آكله لاحقاً! لماذا يطرح ذلك مشكلة بالنسبة لك؟ يتم قتل جميع الحيوانات الأخرى أيضاً المعلّبة في البلاستيك والتي تقوم بشرائها من المتاجر. لذلك من المرجّح أن المشكلة الحقيقية تكمن في أنني أذكرك لا شعورياً بما حدث مع جميع الأطعمة الأخرى ".

قفص مذهّب: يهدف الفيلم الوثائقي إلى جعل المشاهدين يفكرون في مواقفهم تجاه الحيوانات البرية وحيوانات المزرعة وحيوانات البرية. Mario Theus

قد يجادلك النباتيون معتبرين أن جميع لحوم الحيوانات يجب أن تكون محظورة - بغض النظر عما إذا كنت تحصل عليها بنفسك عن طريق الصيد أو كنت تلتقطها من أحد أرفف السوبر ماركت - ولكن حتى الفيلسوف الأسترالي الأخلاقي (والنباتي) بيتر سينجر، رائد حركة الدفاع عن حقوق الحيوان وحركة الرفاهية، يشير إلى حالات يمكن اللجوء فيها إلى صيد الغزلان في ظروف معينة.  

ورد في كتاب سنجر" الأخلاقيات العملية ": "كثير من الناس الذين يتمسكون بعدم شراء لحوم من السوبرماركت لحيوانات مثل الخنزير أو الدجاج، التي تتم تربيتها في المزارع الصناعية، يسارعون إلى إدانة عمليات الصيد؛ لكن الصيد (كوسيلة للحصول على اللحوم) يبقى أفضل من المزارع الصناعية ".

التصويت

يعتقد ثيوس أن طريقة الحياة التي صورها الفيلم، بالكاد تغيّرت خلال نصف القرن الماضي، لكنه يجهل ما ستؤول إليه الأوضاع بعد 50 عاماً.  

ويقول: "ربما سيتضاءل عدد الأشخاص الذين يتمتّعون بهذه المهارات". "حتى المزارع، أندرياس كاسلين، هو شخص قد لا تجد من يقوم بعمله بعد 50 عاماً - وعلى ما يبدو، لن يرغب الكثير من الناس باتباع هذا الأسلوب في العيش."  

ويعتقد أن الأمر نفسه قد ينطبق أيضاً على صيادي المستقبل. "هؤلاء سيكون لديهم المزيد من التكنولوجيا وسيفقدون كل المهارات الأخرى؛ وسيكونون مثل الجنود؛ بمعنى أن الصياد سيكون ماهراً يستطيع إطلاق النار وإصابة الفريسة، ولكن ما سيفوته هو هذا الارتباط بالحيوان وهذه التجربة معه - لن يكون بمقدوره أن يشعر به، أو أن يشم رائحته".

 من الممكن أن تُتّخذ خطوة في اتجاه منع الصيد في 13 يونيو، إذا أدلى الناخبون بأصواتهم في كانتون غراوبندن بشأن مبادرة تقول "قد لا يُسمح باصطحاب الأولاد حتى سن 12 عاماً في رحلات الصيد"، وقد يُطلب من المعنيين في المدارس التوقّف عن تشجيعهم على ممارسة الصيد. 

أندرياس كاسلين برفقة إبنه بعد مشاهدة ولادة ظبي. Mario Theus

وليس غريباً أن منظمات الصيد (وحكومة الكانتونات) تحث الناخبين على رفض هذه المبادرة (*). يقول ثيوس: "بالطبع أنا ضدها". ويذهب إلى أبعد من ذلك فيقول: "أعتقد أنني سأعارض أي قانون يملي على أولياء الأمور الثقافة التي يجب أن يعلموها لأبنائهم".

أندرياس كاسلين بدا أيضاً قلقاً، بوجه خاص بشأن مستقبل نمط الحياة الذي ورثه عن والده ويود أن يورثه لأبنائه. يقول في الفيلم: "الصيد وتعلم التعايش مع الجبال هي من الأمور التي تمثّل حاجة بالنسبة لنا. إنها قطعة من الثقافة، وقطعة من سويسرا، وقطعة من الحياة". 

(*) تحديث للنص: يوم الأحد 13 يونيو 2021، رفض 79٪ من الناخبين في كانتون غراوبوندن المبادرة.

من المقرر أن تقوم دور السينما السويسرية بعرض فيلم  "في البرية – صيادون وجامعون"رابط خارجي، ابتداء من  يوم 21 أكتوبر 2021.

اكتب تعليقا

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.