Navigation

نحو قضاة مستقلين سياسياً: سويسرا تتحسّس طريقها

هل ستصبح المحكمة الفدرالية، أعلى هيئة قضائية في سويسرا، والتي يوجد مقرها في لوزان، قريبا خارج دائرة التأثيرات السياسية؟ © Keystone / Laurent Gillieron

تسعى مبادرة شعبية تخص القضاء إلى قلب نظام تعيين القضاة الفدراليين السويسريين رأساً على عقب. ومع أن فرص نجاحها في صناديق الاقتراع غير واضحة المعالم بعدُ. إلا أنها سوف تحقق بالتأكيد بعض التغييرات.

هذا المحتوى تم نشره يوم 21 يونيو 2021 - 11:00 يوليو,

لا تريد سويسرا – أو بالأحرى سياسيوها رجالاً ونساءً – تغيير نظامها القضائي. فبعد أن أعرب كل من الحكومة الفدرالية ومجلس الشيوخ (الغرفة العليا بالبرلمان الفدرالي) عن رفضهما لما يُسمّى بـ "المبادرة القضائية"، تبعهما في ذلك أيضاً مجلس النواب. أما الكلمة الأخيرة فسوف يقولها الناخبون السويسريون، حينما تصل المبادرة يوماً ما إلى صناديق الاقتراع.

لكن ما يتفق عليه الجميع هو أن المبادرة بها نقاط مبررة. وقد دارت النقاشات في البرلمان داخل جميع الكتل الحزبية وفقاً لنمط مشابه: فصحيح أن النظام ليس مثالي، إلا أنه يعمل بصورة جيّدة. وبرغم ذلك فهناك فرص لتحسينه.

ما هي أهداف المبادرة؟

تتمحور المبادرة حول تحييد القضاء سياسياً: فالقضاة والقاضيات الفدراليين يجب أن يجري اختيارهم وفقاً لمؤهلاتهم (وليس وفقاً لانتمائهم الحزبي)، وذلك عن طريق القرعة، أو من خلال لجنة من الخبراء ـ وليس من خلال البرلمان، كما هو الوضع حتى الآن. فضلاً عن ذلك، يجب اختيارهم لمرة واحدة فقط، بحيث يكون في إمكانهم تولي منصبهم حتى سنّ السبعين. وقد أدرجت مؤخراً إمكانية عزلهم عن مناصبهم وهو ما كان موضع ترحيب. وهو ما من شأنه، بحسب لجنة المبادرة، تحقيق استقلال القضاء، وضمان الفصل بين السلطات في آن معا.

End of insertion

وبرغم العديد من الالتماسات التي قدمها بعض البرلمانيين واتحاد القضاة ـ إلا أنه لم تتم بلورة مقترح مضاد. وهناك نقطة شائكة على وجه الخصوص، وهي: تحديد مناصب القضاة في المحكمة الفدرالية عن طريق القرعة. حيث وصف هذا النهج في البرلمان في مناسبات عدة بالـ "متطرف" ـ لكن الممارسة السويسرية تفيد أنه بدون توفّر مساندة البرلمان أو الحكومة، فإن فرص قبول أغلبية الناخبين بالمبادرات الشعبية تتضاءل. ووفقاً لما يحدث في الواقع من رفض تسع من بين كل عشر مبادرات شعبية في سويسرا، فإن فرص "المبادرة القضائية" حالياً ليست مبشرة بالخير.

ومثلما هو الحال في كثير من الأحيان، فقد تبين لأصحاب المبادرة قلة فرصها في النجاح حتى قبل تحديد موعد الاقتراع. ذلك لأن بعض نقاطها كانت مثار انتقاد في البرلمان. وصحيح أنها كانت منذ مدة أطول محوراً للعديد من النقاشات في الأوساط السياسية السويسرية، إلا أن الفضل يعود للمبادرة الشعبية في نقل الأمر إلى البرلمان، وتم هذا تحت ضغط الموقّعين عليها الذين بلغ عددهم مئة وثلاثين ألف شخص. 

وضع حالي معقد

من الناحية الرسمية، لا يشترط في القضاة والقاضيات بسويسرا الانتماء إلى حزب سياسي. إلا أن السرّ الذي لا يخفى على أحد هو توزيع المناصب الشاغرة في المحكمة الفدرالية وفقاً لمُحاصصة حزبية، في أمر يشبه "ميثاق شرف" غير رسمي. فبدون بطاقة العضوية الحزبية، تنعدم الفرص من الناحية العملية، ذلك أن آخر مرة جرى فيها انتخاب قاضٍ غير حزبي لعضوية أعلى هيئة قضائية في البلاد كان في عام 1942.

في السابق، تعرض هذا الوضع مراراً وتكراراً للانتقاد. فمن ناحية، يُعدّ هذا من قبيل فتح الباب بوجه الفساد الإداري، وهو ما يُثير القلق من منطلق فصل السلطات، حيث لا يُصبح المؤهل هو الفيصل. ومن ناحية أخرى، لا يحقق هذا النهج تمثيلاً لجميع التيارات المجتمعية داخل المحاكم، حيث أن نسبة أعضاء الأحزاب تبلغ حوالي 7% من الناخبين. فهي غير معروفة على وجه التحديد، إذ لا يجري تسجيل أعضاء الأحزاب بصورة موحدة.

فضلاً عن ذلك، يطال النقد نقطة محورية أخرى ـ وهي لا تخص فقط القضاة الفدراليين، بل كل القضاة في البلاد ـ وهي المتعلقة بضريبة التفويض. ويقصد بها خاصيّة توجد في النظام القضائي السويسري، والتي تنص على تسديد القضاة والقاضيات المنتخبين مبلغاً مالياً لصالح أحزابهم. ويتفاوت هذا المبلغ وفقاً للحزب والمستوى السياسي.

وبالفعل، كانت ضريبة التفويض هذه محل نقد دولي، حيث وجهت مجموعة دول مجلس أوروبا لمكافحة الفساد التي يُشار إليها اختصاراً بـ (GRECO) استهجاناً لسويسرارابط خارجي لهذا السبب. إذ أن هذه الضريبة تتناقض مع مبدإ استقلال القضاء.

وجدير بالذكر أن هناك حالياً مبادرة برلمانيةرابط خارجي معلقة، تسعى إلى منع ضريبة التفويض على مستوى القضاة الفدراليين. حيث جاء في رد مقدم هذه المبادرة بيات فالتي، عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الليبرالي الراديكالي، على سؤال لـ swissinfo.ch بخصوص حول هذه الضريبة، أن هذا الأمر يشغله منذ مدة طويلة. كما أكد أن "المبادرة القضائية" المقدمة حالياً قد لعبت دوراً في نقل الأمر إلى داخل البرلمان.

إضافة إلى ما سبق، فإن مجلس النواب سيقوم في وقت لاحق بمناقشة ما إذا كان يتوجب على اللجنة القضائية التي تقوم في نهاية المطاف باختيار القضاة والقاضيات على المستوى الفدرالي، تعيين لجنة فنية كي تصاحب عملية الانتقاء وتشارك فيهرابط خارجي. وبهذه الطريقة، يتم تناول نقطتين أساسيتين من نقاط المبادرة في البرلمان، وقبل الاقتراع نفسه.

حماس مُغرد خارج السرب

يعود الفضل في إطلاق "المبادرة القضائية" إلى رجل الأعمال أدريان غاسر، الذي يرى أن الواقع الحقيقي أكثر مأساويةً: فالسلطة القضائية ما هي في نظره سوى الذراع الطولى للأحزاب، بما يعني أنه يجري تسييس التقاضي، كما أن الثقة في المؤسسات توارى الثرى. لذلك فإنه أطلق المبادرة (وقام بتمويلها من ماله الخاص)، لمساندة فصل السلطات وتحقيق استقلال القضاء.

رغم كل شيء، لا يزال غاسر واثقاً في حظوظ المبادرة في صناديق الاقتراع. وحينما سألناه عن التغييرات التي أحدثتها المبادرة الآن بالفعل، بدا راضياً وقال: "نعم، لقد قمنا بتحريك المياه الراكدة". إلا أنه يعلم، أن التعديلات القانونية التي تمت، كانت بدافع تكتيكي، ولتقليل فرص المبادرة القانونية عند التصويت عليها. لكن هذه المواجهة بين مؤيّدي المبادرة ورافضيها لن تُحسم نهائيا إلا حينما تصل إلى صناديق الاقتراع.

الفكر التقليدي في مقابل التوسّع في السلطات

الحقوقي ألفيو روسو يُشاطر غاسر الرأي. فهو يرى أن المحاكم في سويسرا مُسيَّسة بقوة. فقد قام في أطروحته للدكتوراهرابط خارجي بإجراء مقارنة قانونية بين سويسرا ودول أخرى من حيث عملية اختيار القضاة، وتوصّل إلى نتيجة مفادها، أن الضغط السياسي أمر جوهري. وهذا يتعلق بخاصية سويسرية أخرى وهي: إعادة اختيار القضاة.

ففي معظم الدول الأخرى، يجري اختيار قضاة المحاكم العليا لمرة واحدة فقط، وهذا عادة لمدة طويلة نسبياً، حيث تصل المدة في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على سبيل المثال إلى تسع سنوات، وفي الولايات المتحدة يكون هذا الاختيار مدى الحياة. أما في سويسرا، فإنه يتوجّب على قضاة المحكمة الفدرالية التقدم لإعادة انتخابهم مرة كل ست سنوات. ونظرا لأنهم مُعتمدون في ذلك على أصوات حزبهم، فمن هنا قد ينشأ نوع من التبعية.

في سياق متصل، يشير روسو إلى عملية القرعة، وهي ممارسة تُعدّ غير مألوفة ولا توجد على هذا النحو في أيّ مكان آخر في عصرنا هذا. ففي فرنسا، يتدرج القضاة والقاضيات وفق سلك مهني خاص، وفي البلدان الأنجلوسكسونية توجد هيئات متخصصة تقوم بتعيين المحلفين. هذا بينما يتولى هذا الأمر في سويسرا السياسيون.

أما فيما يتعلق بإجراء القرعة، فهناك على العكس من ذلك نماذج تاريخية لها، على سبيل المثال في: اليونان القديمة، وفي الجمهوريات الإيطالية بالعصر الوسيط، أو في كانتونات الكنفدرالية القديمة. برغم ذلك يرى روسو أن اختيار القضاة عن طريق القرعة العشوائية يُعدّ أمراً غير مناسب للتقاضي الحديث. والأفضل هو وجود لجنة اختيار ملائمة لذلك.

وبالنسبة له، فإنه تمسك الأحزاب والبرلمان بالأوضاع الراهنة يعد دليلاً على سيادة الفكر التقليدي. ومما يؤيد هذا عدم وجود أثر للانقسام السياسي المعهود بين يمين ويسار في هذا الصدد. كما أن الأولوية السياسية تعتبر هي الضامن للشرعية الديمقراطية. ومن ناحيته، يعتقد روسو أن "المبادرة القضائية" وعلى الرغم من عدم خلوها من العيوب، إلا أنها تطرح تساؤلات مبررة.

ولكن ربما كانت مسألة وقت فقط، حتى يٌقدم النظام على القيام بإصلاح ذاتي. وقد كان القرار الذي اتخذ مؤخراًرابط خارجي من قبل قضاة وقاضيات كانتون جورا، بالتوقف عن تسديد ضرائب التفويض لافتاً للانتباه. حيث بدت الأحزاب المعنية بالأمر غاضبة، ذلك لأن ضرائب التفويض على المستوى الفدرالي تشكل جزءً هاماً من ميزانياتها. ومثلما يقول أحد ممثلي حزب الوسط (المسيحي الديمقراطي سابقا)، "يجب إعادة النظر "في نظام الاختيار نفسه"، ذلك لأنه ليس من الإنصاف أن يتوقف القضاة والقاضيات عن تسديد هذه المبالغ، ثم يُطالبون الأحزاب بدعمهم في الانتخابات القادمة.

هل يُمكن للقضاة والقاضيات أن يكونوا موضوعيين أصلاً؟ رد المؤرخ والمحامي لورنز لانغر، الذي يناقش في الحوار التالي نظام تعيين القضاة في المحكمة الفدرالية:

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.