Navigation

الوجه المُتحوّل لجنيف الدولية

منظمة الصحة العالمية مدعوة إلى تعزيز الاستثمار في إدارة المعلومات وتبادلها

ممرضة تسجّل معلومات على معصم أحد مرضى كوفيد-19 في أحد المستشفيات الفرنسية يوم 28 أكتوبر 2020. Copyright 2020 The Associated Press. All Rights Reserved

كانت جائحة كوفيد-19 سببا في إثارة جدل عالمي واسع حول جدوى منظمة الصحة العالمية وأهميتها، بعد أن ثبت للعيان عدم جاهزية أغلبية البلدان الأعضاء للتعامل بجدية مع الأوبئة والأمراض المُعدية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 22 مايو 2021 - 09:42 يوليو,

 هذا الوضع أدى إلى ارتفاع الأصوات المنادية بإدخال إصلاحات جدية على طرق عمل منظمة الصحة العالمية.

"كان بإمكان الصين ومنظمة الصحة العالمية أن تستجيبا بسرعة أكبر وبطريقة أكثر حسما لإحتواء الوباء الناجم عن انتشار فيروس كورونا المستجد بمجرد ظهوره"، هذا ما توصلت إليه لجنة مستقلة أحدثتها منظمة الصحة العالمية لاستعراض مدى تأهّب البلدان الأعضاء واستعدادها لمواجهة الأوبئة.

وفي تقريره المؤقت الثاني الصادر منتصف شهر يناير 2021رابط خارجي، أكّد هذا الفريق المستقل أن "الصين لم تبذل ما في وسعها ولم تنفّذ بدقة تدابير الصحة العامة اللازمة عندما اكتشفت حالات الإصابة الأولى بكوفيد-19 في ووهان".

قال الدكتور أنطوان فلاوهولت، مدير معهد الصحة العالمية ومقره جنيف، لـ swissinfo.ch إن "ما تفتقر إليه منظمة الصحة العالمية هو الوسائل والصلاحيات اللازمة لإجراء مهام التفتيش حيثما تراه مناسباً، دون الحصول على إذن مُسبق وما أتوقعه من الجمعية الصحية العامة المقبلة التي ستعقد ابتداءً من 24 مايو هو منح منظمة الصحة العالمية هذه القوة"، مضيفا أن "هذا أمر مُستعجل جدا".

وفي الآونة الأخيرة، نُشر تقرير يشير إلى حصول عملية تواطؤ بين روما ومنظمة الصحة العالميةرابط خارجي لإخفاء حقيقة عدم استعداد إيطاليا لمُواجهة الأوبئة فيما يبدو محاولة لتبرئة السلطات هناك من أي مسؤولية عن عدد الوفيات المرتفع بسبب جائحة كوفيد-19 خاصة في منطقة بيرغامو". هذه الحالات وغيرها تشير إلى وجود مشكلة على مستوى إدارة المعلومات والبيانات داخل منظمة الصحة العالمية.

بعد عام ونيف من جهود الاستجابة للجائحة الناجمة عن انتشار فيروس كورونا المستجد، ما الذي يُمكن استفادته من التجارب الميدانية للمكاتب الإقليمية للمنظمة على هذا المستوى؟ وكيف يُمكن الارتقاء بالتنسيق وتبادل المعلومات بين المنظمة والبلدان الأعضاء استعدادا للأزمات الصحية المستقبلية؟

نجاح نسبي في بعض الأقاليم

منذ شهر يناير 2020، تتعاون المكاتب الإقليمية التابعة لمنظمة الصحة العالمية مع المكاتب المحلية ومع المقر الرئيسي للمنظمة بجنيف من أجل مواجهة الآثار المترتبة على تفشي جائحة كوفيد-19، والتهيؤ لجوائح مستقبلية.

يتواصل المكتب الإقليمي في منطقة تخصصه بشكل منتظم مع المكاتب المحلية في البلدان الأعضاء، و يتبادل المعلومات مع ممثلي تلك البلدان حول تطوّر الوضع الصحي في الإقليم، كما يتبادل الخبراء والتقنيون في المكاتب الإقليمية الاتصال مع نظرائهم في البلدان الأعضاء لتقييم الأوضاع وتقديم التسهيلات اللازمة والمطلوبة.

في حوار مع swissinfo.ch، أوضّح الدكتور أحمد المنظري، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط أن "هذه الأدوار المتعددة التي تقوم بها المكاتب الإقليمية تهدف إلى دعم قدرات البلدان، واستكمال خططها في التأهب والجاهزية، والاستجابة لأية أوبئة أو جوائح، قد تقع في أي وقت، طبقاً لما تنص عليه اللوائح الصحية الدولية وتعديلاتها".

ويضيف الدكتور المنظري: "عمليا قدّم المكتب الإقليمي للبلدان في المنطقة كافة أنواع الدعم الممكنة، سواء الدعم التقني، الذي يركز على تقوية القدرات المختبرية للبلدان، بما يمكنها من إجراء الاختبارات اللازمة لاكتشاف الحالات، وتدريب الكوادر التي ستعمل في مختلف مجالات الاستجابة، وأيضا الدعم المادي للبلدان المنخفضة الدخل، من خلال إمدادها بالمستلزمات الطبية التي تحتاجها، مثل معدات الوقاية الشخصية، والكمامات، والكواشف المستخدمة في المختبرات".

من جهته أكّد تاكيشي كاساي، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بمنطقة غرب المحيط الهادي في حديث إلى swissinfo.ch نجاح منطقته إلى حد كبير في التصدّي لجائحة كورونا مستفيدة من تجربتها السابقة في الاستجابة لوباء السارس (2003)، وتثبت الأرقام أن نسبة الإصابات المؤكدة بكوفيد- 19 وأيضا نسبة الوفيات كانت 1.6% و1.2% على التوالي، وتكون بذلك المنطقة الأقل تضررا وبفارق كبير مقارنة ببقية مناطق العالم، على الرغم من أن سكان هذه المنطقة يتجاوز عددهم ربع سكان العالم.

المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بهذه المنطقة أرجع السبب إلى أن "هذه البلدان كانت مهيّئة بشكل جيّد مُسبقا للتصدي للجائحة، وقامت باستثمارات في الميدان الصحي على مدى طويل، وهي تكتسب حاليا قدرات كبيرة على التصدّي للوباء".

رغم ذلك، يظل نقص الإمكانات أو ما يسمى بالفجوة التمويلية، من أكبر التحديات التي تواجه رغبة المكاتب الإقليمية في تقديم خدمات فعالة، بل وفي بعض الأحيان تهدد هذه الفجوة استمرار برامج صحية حيوية تشتد الحاجة إليها. وأبرز مثال حاليا على ذلك الحاجة إلى عديد المليارات من الدولارات لضمان استمرار "مبادرة تسريع إتاحة أدوات مكافحة كوفيد-19" (المعروفة بـ "كوفاكسرابط خارجي") في أداء مهامها وتسريع وصول اللقاحات على نحو عادل لكافة البلدان.

وطبقا لأرقام بٌلّغنا بها من طرف الدكتور المنظري، أمكن لمنظمة الصحة العالمية تدبير 24% من التمويل المطلوب، مع تعهدات بحوالي 17% أخرى. أي أنه حتى الآن توجد فجوة تمويلية تبلغ حوالي 58%، من إجمالي حجم التمويل المطلوب، لمواصلة مواجهة الجائحة.

دروس للمستقبل

لقد أثبتت تجربة العام الماضي في التعامل مع جائحة كوفيد-19 في المكتبين الإقليمين اللذيْن تحدثنا إليهما أن الثقة وتجنب المعلومات المضللة، واستقاء المعلومات من مصادرها، أمور هامة للغاية، وأن الاستثمار في تقوية النظم الصحية، وتعزيز قدراتها، ضمان لمواجهة الأوبئة والجوائح بفعالية، وأن نظم المعلومات الصحية، ودقة المعلومات المبلغة، وسرعة مشاركتها، جزء لا يتجزأ من عمل القطاع الصحي.

ويشدّد المنظري على أن من هذه الدروس أيضا أن "التضامن والتكاتف والعمل الموحد، قيم بالغة الأهمية لتحقيق الهدف، وأن القيادة والادارة الحكيمة والفاعلة، بمختلف مستوياتها، إحدى قواعد النجاح في التعامل مع الجائحة، وأن الالتزام المجتمعي والفردي، والدور الفاعل والإيجابي لكليهما، لا يقل أهمية عن الجهود المؤسسية والحكومية".

أما مدير المكتب الإقليمي للمنظمة بمنطقة غرب المحيط الهادي فيرى أن "ما هو أهمّ من تبادل المعلومات المتعلقة بالفيروس رغم ضرورته، هو مشاركة التجارب الناجحة في الاستجابة للفيروس"، لأن البلدان يمكنها تحسينأدائها من خلال تبادل التجارب والخبرات.

 أيضا لا يمكن مواجهة هذه الأمراض المُعدية وفقا لهذا المسؤول الصحي، من دون تحضيرات واستعدادات مُسبقة، لذلك من المهم للغاية الاستثمار في أوقات السلم. فالتأهّب قبل وقوع الجائحة، يجعل وفق العاملين في الميدان جهود الاستجابة أيسر وأسرع وأشدّ تأثيرا.

لكن هل استفادت كل البلدان الأعضاء من دروس الماضي بنفس القدر؟ وهل كانت مستعدة ومهيئة لمواجهة الجائحة بنفس المستوى؟ ما هو الوضع في سويسرا؟

استخفاف بالارشادات

من حيث المبدأ، يهدف التعاون بين منظمة الصحة العالمية والبلدان الأعضاء إلى تعزيز النظام الصحي المحلّي وتمكين البلاد من التهيؤ لكل الطوارئ والأوبئة بفضل المعارف والمهارات العالمية لمنظمة الصحة العالمية، من جهة، وتقوية وتعزيز مساهمة البلدان الأعضاء في دعم المنظمة للقيام بدورها الاشرافي والتنسيقي للشؤون الصحية على المستوى العالمي، من جهة أخرى. وتؤطّر هذه العلاقة من الجانب السويسري في هذه الحالة "استراتيجية السياسة الخارجية السويسرية بشأن الصحة 2019- 2024"رابط خارجي ، ومن جانب المنظمة مدوّنة "القواعد الصحية العالمية لعام 2005"رابط خارجي .

شهد هذا التعاون أطوارا مختلفة، وعندما ظهرت أنفلونزا الخنازير في عام 2009، نصحت منظمة الصحة العالمية جميع الدول الأعضاء بتعزيز استعدادها لمواجهة الجوائح الطارئة وإجراء تدريبات لاختبار قدراتها على التصدي لهذا النوع من الأوبئة، وبفضل توجيهات المنظمة أقدمت سويسرا، مثلها مثل العديد من الدول الأوروبية الأخرى، على سن قانون بشأن الأوبئة، سمح للحكومة بفرض أحكام الحالة الاستثنائية في مارس 2020.

لكن رغم تأكيد المكتب الفدرالي للصحة العامة في سويسرا من خلال رد مكتوب عن أسئلة توجهت بها إليه swissinfo.ch بأن سويسرا "ظلت على اتصال بمنظمة الصحة العالمية منذ بداية الأزمة الصحية الحالية، وأخذت في الاعتبار المعلومات والتوصيات الصادرة عن المنظمة بشأن الجائحة خلال تطوير الجوانب المختلفة لعملية تصديها للازمة الصحية"، وبأنها في المقابل زوّدت المنظمة "بجميع البيانات التي طلبتها منها وفقا للمواعيد المحدّدة وبشفافية كاملة"، فإن دلائل كثيرة تشير إلى أن هذا البلد لم يكن مهيّأً لمواجهة الوباء على الوجه المطلوب، فلم يكن لديه ما يكفي من الأقنعة الصحية، أو القدرة على إنتاجها، ولم يكن لديه نظام اختبار جاهز لبدء العمل على الفور، وكان يفتقر إلى مواد أساسية في صناعة المواد المعقمة، وغيرها من اللوازم الصحية.

وقدّم تقرير أعدّته المستشارية الفدرالية في شهر ديسمبر 2020رابط خارجي تقييما للمرحلة الأولى من إدارة أزمة كوفيد-19 (فبراير- أغسطس 2020) رصد أوجه قصور لعلّ من أبرزها سوء إدارة البيانات والمعلومات، والتساهل في تخزين الاحتياطات، وتسجيل تأخّر في تحرّك المكتب الفدرالي للصحة العامة وللحكومة الفدرالية.

وحول الافتقار إلى الاحتياطات الصحية الإستراتيجية مثلا، يقول أندري دوفيار، مندوب شبكة الأمن الوطني بسويسرا في أحد حواراتهرابط خارجي : "على مدى العقديْن الماضيْين خفّضت سويسرا إلى حد كبير إنفاقها على الاحتياطات الاستراتيجية ما جعلها تعتمد أكثر من اللازم على البلدان الأجنبية في مكافحة الجائحة التي نجمت عن انتشار فيروس كورونا". ويضيف أن "نفس المشكل يُطرح أيضا على مستوى القارة الأوروبية، فجميع بلدانها توجد في نفس القارب، وتخضع لقانون سوق عديمة الرحمة يُسمح فيها بتوجيه كل أنواع الضربات".

هذا الأمر يدعو إلى التساؤل حول مدى الجدية التي تبديها البلدان الغنية في أخذ توصيات منظمة الصحة العالمية بعين الاعتبار؟ وهل من الصدفة أن تكون أوروبا من أكثر القارات تضررا من هذه الجائحة (أكثر من مليون متوفى حتى منتصف أبريل 2021).

الجميع ينشد الإصلاح

لتلافي حدوث أي قصور شبيه بما حصل في سويسرا خاصة وفي أوروبا عامة في المستقبل، تقول الحكومة السويسرية إنها "منخرطة بالفعل وملتزمة بالإصلاحات الجاري تنفيذها على مستوى منظمة الصحة العالمية"، وتؤكد أنها "تؤيّد إجراء استعراض شامل وبنّاء لطرق إدارة المنظمة للأزمات".

وأعلم كاساي swissinfo.ch أنه تجري حاليا بالفعل العديد من التقييمات والمراجعات لطرق تصدي المكاتب الإقليمية والبلدان الأعضاء إلى الجائحة. ومن المنتظر أن يُعرض تقرير بهذا الشأن على أنظار جمعية الصحة العالمية التي تلتئم في الأسبوع الأخير من شهر مايو الجاري. ويقول المدير الإقليمي بمنطقة غرب المحيط الهادي إنه يتطلّع "للعمل مع المدير العام ومع المدير التنفيذي لبرنامج إدارة الطوارئ من أجل أن تؤدي التوصيات التي ستحال على البلدان الأعضاء ونتائج المناقشات في الجمعية الصحية العامة إلى تجويد آليات تبادل المعلومات داخل المنظمة وبينها وبين البلدان الأعضاء".

هذه الدعوة لقيت ترحيبا من طرف منظمة الصحة العالمية على لسان مايكل راين، المدير التنفيذي لبرنامج إدارة الطوارئ الذي أكّد خلال مؤتمر صحفي عُقد بجنيف على أن المنظمة "منفتحة على الإصلاح، وأنها تتعلّم من تجاربها باستمرار قبل الأزمات وخلالها وبعدها".

و قال راين: "نحن مدعوون للنظر في كيفية تدفق المعلومات عبر نظامنا قبل ظهور الأوبئة وخلال التصدّي لها، وبعدها. ونحن بحاجة للحصول على تنبؤات أفضل، وعلى بيانات أدق. والحقيقة لدينا الكثير من البيانات، ومشكلتنا هي كيفية تيسير الوصول إليها، وتنظيمها بطريقة صحيحة، والقيام بتحليلها وإيجاد الأدوات والمنصات المناسبة للقيام بذلك، وجعلها في المتناول وفي الحين بدءًا من العاملين في مجال الرعاية الصحية في الخطوط الأمامية وصولا إلى علماء الأوبئة العالميين. هذا هو التحدّي الرئيسي في المستقبل". ويلخص راين الوضع قائلا: "لم تستثمر منظمة الصحة العالمية بما فيه الكفاية في الوصول إلى البيانات وإدارتها واستخدامها لمنع التعرّض والإصابة بالأوبئة".

من جانبه، قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، مؤخرًا: "إن أحد الدروس المستفادة من جائحة كوفيد - 19 هو أن العالم بحاجة إلى قفزة إلى الأمام في تحليل البيانات لمساعدة القادة على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن الصحة العامة". وأضاف أن "هذا يتطلب تسخير إمكانات التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، والجمع بين مصادر البيانات المختلفة، والتعاون عبر التخصّصات"، وأكد أن "البيانات الأفضل والتحليل الأفضل ستتيح اتخاذ قرارات أفضل".

لا شك في أن هذا الموضوع سيكون مركز الاهتمام في المستقبل، فالبلدان الأعضاء في منظمة الصحة العالمية "مهتمة بهذا الأمر وهي تضغط بشدة من أجل مضاعفة الاستثمار في بيانات مراقبة الأوضاع الصحية ورصد تغيّراتها محليا وإقليميا وعالميا"، وفقا لمايكل راين.

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.