Navigation

بعد عشرين عاما.. أصبحت الرقابة أمرًا طبيعيًّا

نيويورك، 11 سبتمبر، 2001. هذه الصور انطبعت وترسخت في الذاكرة الجمعية. عمال وعاملات يبدأون بإزالة أنقاض البرجين التوأمين المتهاويَيْن. Steve Mccurry/Magnum Photos

لا شيءَ هزَّ الشعور بالأمان أكثر من هجمات الحادي عشر من سبتمبر في العام 2001. وبعد الهجمات، ازداد القبول لدى الجمهور برقابة الدولة وأصبح جمع وتدوين البيانات مسلكًا شائعًا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 11 سبتمبر 2021 - 11:00 يوليو,
سارا غينّر

كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر على شاكلة هوليوود: الصور التلفزيونية تشبه فيلم عنف مذهل يدور بلا نهاية. الهجومان الانتحاريّان في نيويورك انطبعا وترسّخا في الذاكرة الجمعيّة، وذلك لأن المدينة ليست إحدى المدن الأمريكية الهامة فحسب، بل لأنها مقصدٌ للمتعة أيضًا. كثيرون كانوا قد استمتعوا ذات يوم بمنظر الأفق الفريد من على أبراج مركز التجارة العالمي المنهارة.

التوق إلى الأمان

بعد الهجوم شهدت الولايات المتحدة موجةً تُحتذى من التضامن الدولي. جورج دبليو بوش أعلن حالة الطوارئ ودعا إلى "الحرب على الإرهاب". حكومات كثيرة أصدرت قوانين جديدة لمكافحة الإرهاب تقع في منطقة التجاذب والتوتر بين الحرية الفردية والأمن الجمعي. وفي الغالب، هنالك أكثرية في المجتمعات الديمقراطية مستعدة للحد من حريتها الخاصة وتقليص فضاء خصوصيتها في سبيل رفع مستوى شعورها بالأمان. لكن الكثير من الإجراءات التي اتُّخذت لمكافحة الإرهاب بقيت نافذة. لقد أدى الحادي عشر من سبتمبر إلى أن تصبح حالة الطوارئ طبيعية على مستوى العالم.

للرقابة تقاليدها

لكن الرقابة ليست أمرًا جديدًا، ولا هي كانت موجهة دائمًا نحو الأنشطة الإرهابية. إن التمكن من العيش دون رقابة، هو التجسيد المطلق للحرية والخصوصية الفردية، غير أن الرؤى عمن ينبغي أن يُراقَب باسم أمن الدولة، تتغير دائمًا. فلنأخذ سويسرا مثالًا: في بداية ثلاثينيات القرن الماضي أنشأ جهاز الشرطة في زيورخ سجلًّا للمثليين، ولم تنفذ المطالبة بإلغائه إلّا في العام 1979، ثم تبع ذلك قيام بازل وبرن بإتلاف سجلَّيْهما.

خوفًا من تسلل واختراق شيوعي، راقبت الشرطة الفدرالية خلال حقبة الحرب الباردة أشخاصًا ومنظماتٍ في سويسرا ودسّت عليهم العملاء. هكذا تجمّع لديها 900.000 ملف مراقبة. ثلثا هذه الملفات استهدفت أجنبيات وأجانب. "فضيحة الملفات" أصبحت في العام 1989 معروفة للرأي العام وأحدثت جدلًا كبيرًا حول رقابة الدولة، لكن الغضب الكبير حول ذلك سرعان ما تلاشى. في العام 2018، وافق الناخبون السويسريون بأغلبية كبيرة على مُراقبة المستفيدين من المساعدات الإجتماعية ممن يقعون تحت شبهة الحصول على المساعدات بطريق الاحتيال.

الناخبون السويسريون وافقوا أولًا في العام 2016 على الاستفتاء حول قانون المراقبة، وفي العام 2020 أدلوا في صندوق الاقتراع بـ "نعم" لفائدة قانون المخابرات. وبذلك أصبحت سويسرا تملك أقسى قانونٍ ضد الإرهاب في العالم. وبعد الإقتراع الذي نُظم في خريف 2020، قال مفوض الأمم المتحدة الخاص بحقوق الإنسان: "أصبحت سويسرا نموذجًا للأنظمة الاستبدادية".

صعود رأسمالية المراقبة بعد 11 سبتمبر

بشكلٍ أساسي تجري اليوم مراقبة سلوك الغالبية رقميًّا، وذلك بدوافع تجارية. كلّما تعرِف شركةٌ ما عن شخصٍ ما، أكثر، تستطيع أن توجّه له رسائل دعائية بدقة أكبر. بعض الشركات الأكثر نجاحًا في الوقت الحاضر، هي شركات المعلومات. هذه موجودة تقريبًا في الولايات المتحدة والصين فقط. المشهور منها: "غوغل"، "فيسبوك"، "أمازون"، "علي بابا" و"تن سنت". وفي الجوهر، تكمن طبيعة عمل هذه الشركات بجعل الدعاية الموجهة بدقة لأشخاص مُمكنة. ومن أجل ذلك، فهي تقوم بجمع بيانات.

غدت جزءًا من الحياة اليومية: كاميرات مراقبة في حافلة ركاب في كانتون "تسوغ". Keystone / Gaetan Bally

بروفيسورة الاقتصاد المتقاعدة "شوشانا زوبوف" هي واحدة من الأصوات القليلة في الولايات المتحدة التي تحذر منذ سنوات من عجرفة شركات وادي السيليكون وسيطرتها على السوق. إنها ترسم صورة قاتمة للاقتصاد الرقمي الذي يكون فيه الناس مصدر مادة خام مجانية ويعملون كمورّدين لبيانات السلوك. زوبوف قالت في كتابها الصادر في العام 2018: "رأسمالية الرقابة هي تحوير للرأسمالية الحديثة وتتميز بتركيز لا مثيل له للثروة والمعرفة والسلطة"، وأضافت: "شركة غوغل كانت رائد رأسمالية المراقبة. بالإضافة إلى ذلك فإنها استفادت من التحول التاريخي. نموها انبثق بعد الحادي عشر من سبتمبر مع بناء جهاز الأمن الوطني في الولايات المتحدة، والذي استخدم غوغل ومنهجيتها في مراقبة الناس رقميًّا عبر الإنترنت".

روح الحادي عشر من سبتمبر ما زالت مؤثّرة

من المثير للاهتمام أن من ينزعجون من التدوين الرقمي لبياناتهم هم قلة، أو هم من الذين يخضعون لمفارقة الخصوصية الفردية المنتشرة: نريد حماية بياناتنا وخصوصيتنا؛ إلا إذا كان هنالك شيءٌ مجاني. عالِم الاجتماع ديفيد ليون يتحدث عن مسلك مراقبة حقيقي يحدد حياتنا اليومية: بطاقات محلات البيع العامة (سوبرماركت)، بطاقات "الزبائنية الوفيّة"، كاميرات المراقبة الموجودة في كل مكان من الأمكنة العامة، التفتيش في المطارات وفي الملاعب الرياضية.

منذ الحادي عشر من سبتمبر تتصاعد المخاوف. الآن هنالك شد حبال بين المساعي من أجل تحقيق الأمن من جهة والكفاح من أجل حقوق المواطنة والخصوصية الفردية من جهة أخرى. في سويسرا أيضًا، حيث قانون المخابرات الجديد شرّع في مواجهة "الإرهابيين المحتملين". تمامًا بروح ما بعد الحادي عشر من سبتمبر.

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.