Navigation

جنيف الدولية

الوجه المُتحوّل لجنيف الدولية

لا جدال في أن جنيف الدولية تمثل مركزا دبلوماسيا دوليا هاما، مع ذلك، واجه النظام متعدد الأطراف ضغوطا شديدة في الآونة الأخيرة، لاسيما من حكومة الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب، وأيضا بسبب جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى تغييرات جذرية في طريقة العمل في جنيف الدولية. هل ستعود الأمور مجددا إلى الوضع "الطبيعي" أم ستصبح الدبلوماسية الرقمية "الوضع الطبيعي" الجديد؟  

هذا المحتوى تم نشره يوم 17 أغسطس 2021 - 15:47 يوليو,
(سكيزومات/الرسم)

كانت ممرات وقاعات المؤتمرات في قصر الأمم، المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف، تعج بالمندوبين والصحفيين من جميع أنحاء العالم. لكن مع أول إغلاق في سويسرا في ربيع 2020 ، تحول المقر إلى "قصر بلا أمم" وظل شبه خال من رواده. ولا تزال العديد من أنشطته تنظّم عبر الإنترنت. هذا هو الحال في العديد من مؤسّسات جنيف الدولية، ومن المحتمل أن تتغيّر الطريقة التي يتعامل بها المسؤولون والمنظمات والدول كليًا في المستقبل حتى بعد انتهاء الجائحة.

بالإضافة إلى منظمات الأمم المتحدة والبعثات الحكومية من جميع أنحاء العالم، تستضيف جنيف الدولية أيضًا العديد من المنظمات غير الحكومية الدولية والمؤسسات الأكاديمية. وتقول السلطات إن هذا يخلق "نظامًا بيئيًا خصبًا" للبحث الدولي وصنع القرار. في حين أن بعض المنظمات غير الحكومية وحتى الأمم المتحدة قد تكون مهددة بالآثار غير المباشرة للجائحة الصحية، تدعم الحكومة السويسرية "منصات" مستقبلية جديدة في جنيف، تشمل "المبادرة الرقمية السويسريةرابط خارجي" و "مؤسسة جنيف للعلم والدبلوماسيةرابط خارجي"، التي يُمكن العثور عليها في مركب التكنولوجيا البيولوجية "Biotech Campusرابط خارجي" الذي يُؤوي العديد من الشركات الناشئة المتطلعة للمستقبل.

منظمة الصحة العالمية في عين العاصفة

سلطت جائحة كوفيد-19 الضوء على منظمة الصحة العالمية، وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة تأسست عام 1948 ومقرها أيضًا في جنيف. فقد انتقد البعض طريقة تعاملها مع الأزمة، وهي تواجه دعوات متكررة للإصلاح.

بينما يتصارع العالم مع الوباء، كانت منظمة الصحة العالمية في قلب العاصفة. وقد واجهت انتقادات مفادها أنها كانت بطيئة جدًا في الرد - وأنها كانت قريبة جدًا من الصين، وأن أداءها على مستوى تبادل المعلومات بين أقاليم العالم والدول الأعضاء فيها لم يكن على الوجه المطلوب، ولم يسمح بالتوقّي من التبعات السيئة للجائحة، ولم يُمكّن البلدان المختلفة من الإستعداد المُسبق لمواجهة الأزمات الصحية التي باتت تحدث بوتيرة متقاربة ومتسارعة.

لكن منظمة الصحة العالمية كانت أيضًا في مركز مبادرة جديدة لجلب لقاحات كوفيد-19 إلى البلدان النامية، وهي "مبادرة تسريع إتاحة أدوات مكافحة كوفيد-19" المعروفة اختصارا بـ كوفاكس COVAXرابط خارجي التي يشترك في قيادتها كل من منظمة الصحة العالمية و التحالف الدولي للقاحات، والتحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة. وعلى الرغم من مواجهته للعديد من التحديات، بدأت مبادرة كوفاكس في طرح اللقاحات على البلدان الفقيرة في الربع الأول من عام 2021.

مؤسسة أخرى في جنيف انتقدها الرئيس الأمريكي السابق ترامب وتُوجد الآن في قلب الصراع بشأن التنازل عن براءات اختراع لقاحات كوفيد-19 هي منظمة التجارة العالمية، التي تُواجه هي أيضًا دعوات للإصلاح.

مشكلة التمويل

تشكل الضغوط المالية مصدر قلق كبير للمنظمات في جنيف، وهي ضغوط تفاقمت في الآونة الأخيرة بسبب جائحة كوفيد-19، التي مثلت اختبارا حقيقيا للنظام الدولي متعدد الأطراف. وفيما سعت وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية للتعامل مع وضع الإغلاق. في الأثناء، ظل مصير المنظمات غير الحكومية التي تُعاني من ضائقة مالية غير واضح المعالم، وسيعتمد ذلك إلى حد كبير على الجهات المانحة، وفقا لما أفادت به السلطات المحلية لكانتون جنيف.

كان الاتجاه السائد بالنسبة للوكالات الدولية الكبيرة يميل على المدى البعيد إلى نقل موارد معينة إلى الميدان أو إلى أماكن أرخص، لكن عامل الجذب في جنيف لا يزال قوياً لأسباب أخرى.

أحدها يتمثل في أن الجهات المانحة وصانعي القرار والخبراء موجودون بالفعل هناك. إذا لا تؤوي جنيف فقط المقر الأوروبي لمنظمة الأمم المتحدةرابط خارجي، ومنظمات دولية أخرى، ولكنها مقر أيضًا لأكثر من 431 منظمة غير حكومية، ومعاهد أبحاث و 179 بعثة دبلوماسية، وفقا لمنصة جنيف الدوليةرابط خارجي.

في الآونة الأخيرة، انضمت إلى كل هؤلاء فرق تتشكل من محققين في مجال العدالة الانتقالية وخبراء قضائيين دوليين مقيمين في الأمم المتحدة يقومون – بشكل متكتم – بالعمل على جمع وحفظ الأدلة وإعداد ملفات قضايا جنائية مستقبلية محتملة بشأن الجرائم الدولية الخطيرة المرتكبة في سوريا وميانمار وفي سريلانكا حاليا.

سبب آخر يتمثل في الجهود السويسرية المنسّقة والمتضافرة لضمان احتفاظ المدينة بوظيفتها كمركز لبلورة السياسات العالمية.

فقد اجتهد السويسريون لتثبيت وضع جنيف على الخارطة الدولية كمركز عالمي للخبرة في قضايا السلام والأمن ونزع السلاح والمناخ والصحة والقضايا الرقمية.

"إن العالم الذي نعيش فيه يزداد ترابطاً، ما يزيد من ضرورة التعاون الدولي. لقد أصبحت جنيف المكان الذي يتعيّن التواجد فيه لمن يرغب في المشاركة الجماعية في بناء عالم أفضل"، كما يقول أوليفييه كوتو، مفوض الكانتون المُكلف بعلاقات جنيف الدولية.

وبالنظر إلى أن الحوكمة الرقمية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وغيرها من الابتكارات تحولت إلى أولويات، شجّعت سويسرا، بالاشتراك مع قطاع الأعمال، عدة مبادرات جديدة على غرار معهد السلام السيبراني ومؤسسة المبادرة الرقمية السويسريةرابط خارجي ومؤسسة جنيف الرائدة للعلوم والدبلوماسيةرابط خارجي.

بموازاة ذلك، ساعد السويسريون على إقامة عشرين منصة تنسيقية من أجل استغلال شبكات العلاقات المتاحة محليا في جنيف، مثل شبكة جنيف للبيئة، ومختبر أهداف التنمية المستدامة ومنصة جنيف لبناء السلام، التي تجمع وتنسق بين فاعلين من القطاعين العام والخاص ومن المجتمع المدني والجامعات.

من جانبها، وضعت جامعة جنيف نصب عينها تحويل "عاصمة السلام" إلى مركز جامع لممارسات الأعمال المسؤولة، من خلال تمويل مركز الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، وهو الأول من نوعه المُكرّس للحوار والبحث في مجال حقوق الإنسان في مدرسة عليا أوروبية لإدارة الأعمال.

عموما، يظل السلام وحقوق الإنسان والعدالة الدولية محاور اهتمام رئيسية. فمن جنيف، يقوم مجلس حقوق الإنسان، وهي هيئة حكومية دولية مشتركة ضمن منظومة الأمم المتحدة، ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسانرابط خارجي، المدعُوميْن من طرف عدد لا يُحصى من المنظمات غير الحكومية والأكاديميين، بتعزيز وحماية حقوق الإنسان في شتى أنحاء العالم.

لهذا يقول بوفالّيه: "طالما ظلت الأمم المتحدة والنظام الدولي منفتحيْن على المجتمع المدني، تُوجد قوة جذب هنا في جنيف".

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.