Navigation

المصارف الرقمية الجديدة تشكل تحديا للمركز المالي السويسري

الهاتف الذكي أصبح الأداة المفضلة في الصيرفة بالنسبة للكثيرين. © Keystone / Christian Beutler

على الرغم من عدم امتلاكها لأي فروع عينية أو موظفي شبابيك، الملاحظ أن "بنوكاً" رقمية جديدة باتت تغزو سويسرا خلال الأعوام الأخيرة. فقد اجتذب بنك "نيون" الرقمي الذي يتخذ من زيورخ مقراً له، على سبيل المثال، 30.000 عميلاً خلال العام الأول فقط من تأسيسه.

هذا المحتوى تم نشره يوم 05 يوليو 2021 - 11:00 يوليو,

ليس لـدى بنك "نيونرابط خارجي" (Neon) الرقمي الجديد عنوان في ساحة ‘باراديبلاتس’ المرموقة التي تُعتَبَر القَلب الرمزي للساحة المصرفية في زيورخ. وهو يقع بدلاً من ذلك على طريق مُزدَحِم يؤدي إلى مشارف مدينة زيورخ. وعلى عكس المصارف السويسرية الأخرى، لا يتوفر البنك على مكاتب للموظفين التي تزينها الديكورات والأعمال الفنية الفَخمة، أو الأثات الفاخر أو الأرضيات الرخامية. لكنه يعتمد في تصميمه الداخلي البَسيط على فضاء واسع مفتوح وديكور عملي بسيط مع الحد الأدنى من الأثاث، الذي يعكس المفهوم النموذجي لشركة ناشئة تُرَكِّز كل طاقتها على تطوير المنتجات.

هذه "البنوك الرقمية" الجديدة مثل "نيون" هي شركات تكنولوجيا مالية تقدم خدماتها المصرفية عبر القنوات الرقمية حصراً، ولا تحتاج إلى فروع عيْنية. والعُملاء الذين يفتحون حساباتٍ في مِثل هذه البنوك الرقمية لا يرغبون في مُعالجة معاملاتهم المصرفية بسرعة وسهولة فحسب، ولكن هدفهم قبل كل شيء توفير الرسوم التي شهدت ارتفاعاً كبيراً في المصارف التقليدية خلال السنوات العشر إلى العشرين الماضية. وعندما يفتح العميل حساباً في ‘نيون’ مثلاً عبر تطبيق الهاتف الذكي، فإنَّه يُطالَب بإرسال صورة لهوية رسمية خاصة به، ليتم بعدها التحقق من بياناته عَبر مكالمة مسجلة بالفيديو، أو من خلال إجراء التعريف الرقمي المُعتَمَد من قِبَل هيئة السوق المالية السويسرية (فينما).

من ثمَّ، يحصل العميل على بطاقة خَصم (debit card) يستطيع استخدامها لدفع ثمن مشترياته داخل سويسرا وخارجها، كما يكون لديه حساب مصرفي مُشابه للحسابات الجارية المُعتادة التي تُستَخدَم لاستلام الرواتب وإجراء المدفوعات المحلية أو التحويلات الدولية.

اليوم، تكتسب البنوك الرقمية الجديدة المشابهة لـ ‘نيون’، حصصاً مُهمة في سوق القطاع المَصرفي السويسري، لأنها تقدم حلولاً أكثر ابتكاراً للمدفوعات عبر الإنترنت مُقارنة بالبنوك التقليدية، مع نِسبة رسوم أقل بشكل عام. وهي تقوم أيضاً بِدَمج خدمات الدَفع عبر الهاتف المحمول مثل ‘سامسونج باي’ (Samsung Pay) بسهولة أكبر في تطبيقاتها.

وكما يقول يورغ ساندروك، الرئيس التنفيذي لـ "نيون"، وأحد المؤسسين الشركاء الشباب الذين أطلقوا هذه الشركة الناشئة:" لقد أدرَكنا أنه لا تزال هناك فجوة في هذا النوع من السوق في سويسرا، وهو ما دفعنا إلى تَرْك وظائفنا وإنشاء شركتنا الخاصة". وبعد مرحلة اختبار أولية، أطلقت الشركة رَسمياً تطبيقها المصرفي في مارس 2019، والذي اجتذب أكثر من 30,000 عميل خلال السنة الأولى من استخدامه.

رسوم مُتدَنية

تفرض معظم البنوك التقليدية رسوماً سنوية تتراوح بين 50 إلى 100 فرنك سويسري لبطاقة ائتمان قياسية، بالإضافة إلى رسوم إضافية تتراوح بين 1,5% و2,5% عن كل عملية دَفع، علاوة على رسوم إضافية تبلغ حوالي 2% على سِعر الصَرف عند استخدام البطاقة خارج البلاد. وفي حال قيامك بِسَحب الأموال من خلال أجهزة الصرّاف الآلي، فسوف يتعين عليك في كثير من الأحيان دفع عمولة أخرى تبلغ 10 فرنكات سويسرية كرسوم مُعالَجة.

بالتالي، تُشكل الرسوم الأرخص والأكثر شفافية للبنوك الرقمية الجديدة، جُزءاً من سبب نجاحها السريع في العديد من البلدان الأوروبية، بما في ذلك سويسرا، خلال الأعوام الأخيرة.

في عام 2019، أثار البنك الرقمي البريطاني ‘ريفولت’ (Revolut) قلق القطاع المصرفي السويسري عندما أعلَن عن اجتذابه لــ 250,000 عميل في سويسرا بدون الحاجة إلى انفاق أي أموال على الإعلانات تقريباً. وفي صيف العام المنقضي، كان قد تم تحميل تطبيق ‘ريفولت’ 300,000 مرة - وهو رقم ما كان للعديد من البنوك السويسرية حينذاك إلّا أن تحلم بتحقيقه من خلال تطبيقاتها الخاصة.

اليوم، توجد عروض أيضاً من مؤسسات مالية سويسرية مرموقة لمواجهة هذه البنوك الرقمية الجديدة. فبعد تطبيق "زاك" (Zak) لبنك "كلير" [بنك "كوب" سابقاً]، وعَرض بنك "كريدي سويس" الرقمي "سي أس أكس" (CSX)، تضافرت جهود بنك "بوست فينانس" (PostFinance) [وهو بنك الخدمة البريدية السويسرية] وبنك "سويسكوت" (Swissquote) [المتخصص في تقديم الخدمات المالية والتجارية عبر الإنترنت]  لإطلاق تطبيق "يو" (Yuh) في بداية شهر مايو المنقضي. وتأمل هذه المؤسسات التقليدية اليوم في اقتناء حصة من هذه السوق الرقمية الجديدة التي كانت مُحتَكَرة في السابق من قبل بنوك رقمية مثل"ريفولت" البريطاني و"N26" الألماني بشكل رئيسي. وقد وصلت هذه البنوك الرقمية - بالإضافة إلى بنك "نيون" - إلى السوق المالية في عامي 2018 و2019 على التوالي.

في السياق، تم الاعلان في العام الماضي عن اطلاق شركة الخدمات الرقمية المالية السويسرية "ألبيان" (Alpian) في جنيف، [بدعم من مؤسسة "ريل آند سي آي إي" (REYL & Cie) المصرفية] التي ستجمع بين الخدمات المصرفية اليومية، وعروض إدارة الثروات الشخصية، والمنتجات الاستثمارية المُخَصَّصة في تطبيق واحد يسهل الوصول إليه. وقد تقدمت الشركة بطلب للحصول على ترخيص مصرفي كامل من هيئة الإشراف على السوق المالية السويسرية (FINMA)، وهي تعتزم إطلاق مجموعة منتجاتها وخدماتها الأساسية خلال العام  الجاري - رهناً بموعد إصدار الترخيص.

يُظهِر نجاح هذه المصارف الجديدة - المعروفة أيضاً باسم "بنوك الهواتف المحمولة" أو "المصارف الرقمية" أو "البنوك المنافسة" – تغَيُراً هيكلياً في الصناعة المصرفية. وبالنسبة للعديد من الخدمات المالية، باتت المسافة الفعلية بين البنك والعميل، أو الاتصال المباشر مع مستشار العميل أقل أهمية اليوم.

بالإضافة إلى ذلك، أصبح التسوّق عبر الإنترنت أيضاً أكثر شيوعاً، وشهد نمواً هائلاً خلال أزمة فيروس كورونا على وجه الخصوص. كما ظهر لاعبون جدد في مجال إمكانية الدفع الالكتروني، بما في ذلك عمالقة الإنترنت مثل غوغل، والذين يهتمون بشكل متزايد بتطوير خدمات مالية جديدة.

في نفس السياق، أدَّت السياسة النَقدية للبنوك المركزية، التي تعتمد على اسعار الفائدة الصفرية أو الدُنيا، إلى انخفاض حادٍ في العوائد الهامشية للبنوك التقليدية، وهي هوامش كانت تكفي في السابق لإدارة حسابات العملاء وتقديم الخدمات إليهم بأسعار ثابتة أو حتى مجاناً. وكانت البنوك قد بدأت منذ حوالي 20 عاماً بِفَرض رسوم وعمولات مُتزايدة باستمرار على المعاملات المالية، مما حدا بالعديد من العملاء إلى البحث عن حلول بديلة.

لم يكونوا مضطرين للابتكار

من جانبها، شدَّدَت جمعية المصرفيين السويسريين مؤخراً في بيان لها على أهمية رَقمَنَة الخدمات المالية، مؤكدة على التقدم الذي أحرَزَته البنوك السويسرية بالفِعل في هذا المجال.

وفي الواقع، تقوم العديد من البنوك السويسرية بإغلاق فروعها، أو تحويلها إلى مراكز استشارات خالصة، مع التركيز على العروض الرَقمية. لكن، وكما يبدو حتى الآن، فإن عروض المؤسسات المالية التقليدية للخدمات المصرفية الإلكترونية  - مثل التطبيقات - لا تستهوي العملاء الذين اعتادوا على العالم الرقمي بما يكفي. ووفقاً لمقارنة أجرتها إحدى قنوات التلفزيون السويسري العمومي في عام 2020، لم يُطَور سوى بنك تقليدي واحد فقط هو ‘كلير’ (Cler)، تطبيقاً مُماثلاً لتطبيق البنوك الرقمية الجديدة حتى ذلك الوقت.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل فَوَّتَت البنوك السويسرية هذه الفُرصة لتطوير نفسها؟ "لا أظن ذلك"، يقول ساندروك. "لكن ربما كانت مُقَيَّدة بعض الشيء بسبب هيكلها التنظيمي المُرهِق، ورُبَما لم تتعرض لنفس الضغوط التي ترغِمُها على الاختلاف عن غيرها، كما كان الحال في بلدان أخرى. وعلى سبيل المثال، إضطرت بعض البنوك في إسبانيا بعد الأزمة المالية لعام 2008، إلى مراجعة استراتيجيتها من أجل الحفاظ على موقعها في السوق. وفي إنجلترا كانت المنافسة من القوة لِعِدّة سنوات إلى درجة اضطرار البنوك إلى الإبتكار لجذب عملاء جُدُد"، كما يوضح.

عموما، لم يكن للبنوك الرقمية الجديدة تأثير يُذكر على البنوك السويسرية التقليدية لحد الآن. ولا تزال تعاملات مُقدمي هذه الخدمات من الشركات الأجنبية الجديدة مثل "‘ريفولت" (Revolut) أو "ترانسفيروايز" (Transferwise) الذين ترتبط "نيون" بشراكة معهم، محصورة بشكل عام في تقديم خدمات بطاقات ائتمان وخدمات الدفع الدولية. كذلك لا يمكن مقُارنة أرباح البنوك الرقمية الجديدة بأي حال من الأحوال مع أرباح خدمات إدارة الأصول، والتي حقق للمراكز المالية السويسرية ثروة كبيرة في نهاية الأمر. مع ذلك، تشعر البنوك السويسرية ببعض القلق في ضوء النمو السريع للبنوك الرقمية في سوق يزداد انفتاحاً وتنافسية.

التعاون مع شركاء

على أي حال، فإن مديري "نيون" واثقون من قدرتهم على افتكاك مكان لهم في السوق المالية. ووفقاً لدراسة نشرها موقع "مونيلاند" (Moneyland) للمقارنة عبر الانترنت في عام 2019، سَجَّل البنك الرقمي الجديد في زيورخ علامات تفوّق مقارنة بِمُنافسيه الأجانب والبنوك السويسرية التقليدية عند مقارنة أسعار الخدمات، والعمولات، وأسعار الصرف، والتكلفة الإجمالية لاستخدام بطاقة الائتمان.

على الجانب الآخر، لا تستطيع شركة "نيون" تقديم عدد من الخدمات المصرفية، مثل إدارة الأوراق المالية أو الإقراض العقاري، لأنها لا تملك ترخيصاً مصرفياً خاصاً بها. وهي تتعامل بدلاً من ذلك مع بنك الرهن العقاري "لينتسبورغ" (Lenzburg) الذي يتولى إدارة حسابات العملاء. وبِحَسب يورغ ساندروك، فإن هذه السياسة مقصودة.

"ما يميزنا عن البنك التقليدي هو حقيقة عدم رغبتنا بتطوير وتقديم كل مُنتَج مالي. نحن نُفَضِّل العمل مع شركاء مُتَخَصّصين في المجالات لا نغطيها بأنفسنا"، كما يوضح الرئيس التنفيذي لـ "نيون".

"في اعتقادي، فإن مستقبل الأعمال المصرفية يكمن هنا على الأرجح؛ لأن قيامك بتوليد قيمة مُضافة ورِبحية من خلال التطوير المُستقل لجميع المنتجات المُختلفة سوف يزداد صعوبة باستمرار"، كما يقول ساندروك مُختتماً حديثه.

اكتب تعليقا

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.