Navigation

سويسرا الثرية تُسجّل عزوفا مبكرا عن التطعيم

في التاسع والعشرين من يونيو كانت الكثير من مقاعد مركز التطعيم بمدينة مندريسيو بكانتون تيتشينو شاغرة. Keystone / Pablo Gianinazzi

توفر عدد كافٍ من جرعات اللقاح، ولكن لم تعد هناك رغبة في تلقيها: إذ تواجه العديد من الدول الثرية مشكلة الرفاهة هذه. حيث تشهد سويسرا ركوداً مبكراً جداً في نسبة التطعيم، مقارنةً بغيرها من الدول.

هذا المحتوى تم نشره يوم 31 يوليو 2021 - 09:23 يوليو,

"هل تلقيت اللقاح؟" حل هذا السؤال في الربيع الماضي محل السؤال المعتاد "كيف حالك" كأكثر سؤال يطرح عند اللقاء في سويسرا. وبعدما دار النقاش في الشتاء حول مدى تأخر سويسرا في طلب اللقاحات التي تحتاجها أو ما إذا كانت قد طلبتهم من الجهة غير الصحيحة، فإنها بحلول شهر إبريل الماضي، سرعان ما مضت قدماً في حملة التطعيم.

وفي الأثناء، أصبح الجميع في سويسرا ابتداءً من عمر الثانية عشر، يمكنهم التطعيم ضد فيروس كورونا. لكن ما إن جاء المدد لحملة التطعيم، حتى نفدت في سويسرا الرغبة في تلقيه. فهناك جرعات كافية من اللقاح، إلا أن الطلب قد تراجع، بل إن وتيرة التطعيم في انخفاض منذ أسابيع.

وهذا التوجه لا يقتصر على سويسرا وحدها: فبينما لا يزال العالم كله يعد اللقاح عملة نادرة، فإن الشعوب في الدول التي لديها مخزون كافٍ من اللقاحات، قد فقدت الرغبة في التطعيم.

محتويات خارجية

وكنتيجة لذلك فإن وتيرة التطعيم منذ أن وصلت إلى قمتها في شهر يونيو على مستوى العالم، فإنها إما تشهد تراجعاً أو على الأقل ركوداً. حيث يزداد تراجع نسبة التطعيم في سويسرا بصورة لافتة. وقد ردت السلطات السويسرية بحملة دعائية للتطعيم، وبإعداد مراكز تطعيم متنقلة، كما إنها تشجع الزوار عن طريق تقديم كعكاً مجانياً. لكن كل هذا لم يحقق سوى نجاحاً متواضعاً.

البادئون مبكراً في التطعيم يواجهون نفس المشكلة

إن الدول التي تمكنت من زيادة وتيرة التطعيم قبل سويسرا ببعض الوقت، عاشت بدورها هذا الوضع بالفعل.

محتويات خارجية

لقد استطاعت إسرائيل الحصول على الكثير من جرعات اللقاح في وقت مبكر، كما إنها قد قامت بتطعيم السكان في وقت قياسي. ومؤخراً قامت إسرائيل بتطعيم المزيد من السكان، حيث سمح للشباب كذلك بتلقي اللقاح، وفيما عدا هذا، فإن وتيرة التطعيم تعد برغم ما سبق منخفضة منذ شهر ابريل. وهذا مرده إلى أن أكثر من 66% من سكان إسرائيل ـ وهي بلد ذات شعب شاب إلى حدٍ ما ـ قد تلقوا جرعة واحدة على الأقل من اللقاح.

كذلك كانت الولايات المتحدة سباقة في البدء بالتطعيم، بينما كانت بعض الدول الأوروبية لا تزال في انتظار الحصول على طلباتها من جرعات اللقاح. وظل الأمر على هذا المنوال حتى شهر ابريل، حينما ازداد العرض عن الطلب، وتراجعت وتيرة التطعيم. وكي يجري الحفاظ على نظام التطعيم برغم ذلك، حاولت مختلف الولايات إقناع السكان بشتى الطرق، ابتداءً من دفع بعض الأموال، ومروراً بتوزيع الكعك بل وحتى لفافات القنب المجانية. فضلاً عن ذلك، فإن متلقي اللقاح يستثنون من ارتداء الكمامات الإجباري. وحالياً يبلغ عدد من تلقوا اللقاح في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 56% من السكان.

أما بالنسبة لبريطانيا، فقد كانت واحدة من أولى الدول، التي بدأت بالتطعيم على نطاق واسع. فمنذ شهر فبراير كانت وتيرة التطعيم، بحسب الكميات المتاحة من اللقاح، بين مد وجزر. لكن التناقص الحاد في وتيرة اللقاح بدأ بالفعل في شهر يونيو. وبدورها خاضت بريطانيا تجربة التحفيز بالمكافآت، حيث أجرت قرعة مطلع شهر يوليو على تذاكر مجانية لنهائي كأس أوروبا لكرة القدم. كذلك فرضت الحكومة التطعيم الإجباري على العاملين في دور المسنين. والآن بلغت نسبة من تلقوا اللقاح أكثر من 68% من السكان، لكن مقارنة بغيرها، فإن الكثيرين قد تلقوا الجرعة الأولى فقط من الجرعتين.

الركود المبكر لنسبة التطعيم في سويسرا

إذن فهذا التطور الذي تشهده سويسرا يواكب ما عاشته الدول الأخرى بصورة مماثلة. "لقد رأينا في دول أخرى كذلك، أن الاستعداد للتطعيم يبدأ في التراجع، حينما تبلغ نسبة التطعيم 50%"، مثلما صرحت فيرجينيه ماسيراي، مديرة قسم مكافحة العدوى بوزارة الصحة الفدرالية، مؤخراً لـ swissinfo.ch. "إنه تباطؤ وحسب."

إلا أن هذا التراجع قد بدأ هنا في سويسرا في وقت مبكر، أكثر ممَّ كان متوقعاً. وهذا ما أظهرته المقارنة مع الدول المجاورة. حيث تتراجع الوتيرة هناك أيضاً، لكن بصورة أقل سرعة ممَّ هي الآن في سويسرا، وكذلك بعدما تلقى جزء كبير من سكان هذه الدول اللقاح بالفعل.

محتويات خارجية

قبل عدة أسابيع، بدا الأمر وكأن سويسرا تفوقت على فرنسا لمدة قصيرة فيما يتعلق بنسبة التطعيم. إلا أن الوتيرة سرعان ما تراجعت في سويسرا، بينما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن التطعيم الإلزامي للعاملين في المستشفيات، ودور المسنين والرعاية الصحية. والنتيجة: أن تجاوزت نسبة الأشخاص الذين تلقوا التطعيم في فرنسا وفقاً للإحصاءات الأخيرة - كما هي الحال في الدول المجاورة الأخرى - مثيلاتها في سويسرا.

فمن جانبها، قامت إيطاليا بتطعيم أكثر من 60% من السكان بالفعل، برغم ذلك فإن تراجع وتيرة التطعيم بها تعد أقل من الدول الأخرى المجاورة لسويسرا. ويرجع السبب في ذلك إلى فرض التطعيم الإلزامي على العاملين في المجال الصحي، وكذلك نظراً لشيخوخة المجتمع الإيطالي، حيث تزداد نسبة التطعيم في الأجيال الأكثر تقدماً في العمر بصفة عامة.

من ناحية أخرى، تعتبر نسبة التطعيم في كل من ألمانيا والنمسا أكبر بكثير مما هي عليه في سويسرا، كما أنهما مستمرتان في هذا التوجه. ومثلما هو الحال في سويسرا، تمنح كلتا الدولتين بعض المميزات لمن تلقى التطعيم (وكذلك لمن يحملون نتائج اختبارات سلبية، وللمتعافين من المرض): أما في سويسرا، فإن هذه المميزات تقتصر على مرتادي المراقص والنوادي الليلية؛ بينما يشترط في النمسا وجود أحد هذه الشروط الثلاثة (التطعيم، أو الاختبار السلبي، أو التعافي) لارتياد المطاعم أو المتاحف. وبالنسبة لألمانيا يعفى متلقو اللقاح من القيود على التواصل مع الآخرين.

العزوف عن اللقاح ليس هو السمة الغالبة في كل البلدان

في سياق متصل، نجد أن العزوف عن اللقاح في عدد قليل من البلدان قد بدأ بعدما تعدت نسبة التطعيم 65%. إذ أن هذا هو الحال في كل من آيسلندا، وكندا وبلجيكا. ففي بلجيكا قد تكون أرقام الإصابات المتفجرة هي السبب وراء اقتناع البعض بتلقي التطعيم. أما في كندا فإن الحال يشابه مثيله في بريطانيا، حيث أن هناك الكثيرين ممن تلقوا جرعة واحدة من اثنتين فقط. وفي آيسلندا ترتفع نسبة التطعيم لتزيد عن 75%، وقد تباطأت فقط حينما أعلنت الحكومة في موفى شهر يونيو عن إلغاء جميع إجراءات مكافحة الجائحة.

محتويات خارجية

فضلاً عما سبق، هناك بعض البلدان، التي لم تشهد تراجعاً يذكر برغم تقدمها الواضح في التطعيم. حيث وصلت إسبانيا بدون فرض التطعيم الإلزامي، لمتوسط مرتفع من تطعيم العاملين في دور المسنين (بلغ حوالي 90%)، وفي المستشفيات (إلى حدٍ بلغ 98%). وهذا مِمَّ يدحض النقاشات حول ضرورة فرض التطعيم الإجباري في المجال الصحي.

محتويات خارجية

ومما يجدر الإشارة إليه هنا، هو ما جرى في كل من إسبانيا والبرتغال، حيث أدى متحور دلتا إلى وقوع حالات كثيرة من الإصابات بفيروس كورونا، والتي انعكست على شغل الأسِرَّة بالمستشفيات. ولإن المعنيين بالإصابة كانوا في المقام الأول من غير الملقحين، فإن الحافز نحو التطعيم قد ازداد.

أما في الدانمارك، فإن حالات الإصابة قد ارتفعت لفترة أطول مما كانت عليه في سويسرا، إلا أنها لم تكن بالغة الأثر على النظام الصحي. فقد اشترت الحكومة الدانماركية مؤخراً مليون جرعة من التطعيم من رومانيا.

ولكن من أين تأتىَ لرومانيا الحصول على فائض من جرعات لقاح كوفيد؟ هل تم تطعيم جميع سكان رومانيا بالفعل؟ على الإطلاق، فرومانيا تجيء في المراتب الدنيا بالنسبة للدول الأوروبية، حيث بلغت نسبة من تلقوا اللقاح بالكاد 25% من السكان. إلا أن الرغبة في اللقاح قد تلاشت. فانعدام الرغبة في التوجه إلى المراكز الصحية، يقابله ويبرره وفرة في انعدام الثقة في الحكومة.

ولحسن الحظ، لم يصل الوضع في سويسرا إلى هذا الحد المتطرف. ولكن بالنظر إلى توفر اللقاحات في سويسرا، تظل نسبة التطعيم حالياً منخفضة بالمقارنة عالمياً. وربما يتغير الوضع، حينما تنعكس حالات الإصابة الآخذة في الارتفاع على شغل الأسِرَّة في غرف العناية المشددة. على الجانب الآخر، فإن فرض التطعيم الإلزامي لا يمكن تحقيقه في الواقع من الناحية السياسية.

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.