Navigation

افتتاح «ممثلية» لأكراد سوريا في جنيف يُثير مشاعر متباينة

من الصعب تجاهل هؤلاء المقاتلين، وخاصة الأكراد منهم، الذين ساهموا في هزيمة تنظيم "الدولة الاسلامية" وما زالوا يحتجزون آلاف الأسرى الأوروبيين. Keystone / Uncredited

تسعى "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا"، التي لا تحظى باعتراف أي دولة، بالاقتراب من الجهات الفاعلة في جنيف الدولية، التي تجري فيها من حين لآخر مفاوضات سلام بشأن سوريا تم استبعادها منها. تركيا غاضبة، وسويسرا مُحرَجة، ولكن لا أحد يستطيع تجاهل هؤلاء المقاتلين، وخاصة الأكراد منهم، الذين ساهموا في هزيمة تنظيم "الدولة الاسلامية" ويحتجزون آلاف الأسرى الأوروبيين.

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 أغسطس 2021 - 11:00 يوليو,
كلود دوشين

لقد أثار الإعلان عن افتتاح مكتب في مبنى متواضع في جنيف، يوم الاثنين 9 أغسطس الجاري، عاصفة دبلوماسية: الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا لديها الآن ممثلية في جنيف، «هدفها تعزيز العلاقات مع الجهات العاملة في سويسرا، ولا سيما بسبب المؤتمرات التي تُعقَد في جنيف لحل الأزمة السورية» بحسب ما أشار حكمت ابراهيم، مُديرها. ويضيف بأنَّ هذه المبادرة ليست الأولى في أوروبا، حيث كان قد تمَّ افتتاح عدة ممثليات في دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا والسويد ودول البنلوكس (بلجيكيا وهولندا ولوكسمبورغ).

إلا أنَّ هذه الخطوة حسّاسة بقدر ما هي غامضة: فماذا نعني بـ «ممثلية» لإدارة إقليمية لا تعترف بها أي دولة؟ لقد تأسست الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في عام 2018، بعد أن حصلت المنطقة على الحكم الذاتي في 2012 في أعقاب الحرب الأهلية السورية. يتراوح عدد سكان هذه المنطقة ما بين أربعة وخمسة ملايين نسمة ـ معظمهم من الأكراد، بالإضافة إلى العرب والآشوريين والنصارى والتركمان واليزيديين ـ وتغطي مساحتها حوالي 30% من الأراضي السورية. وهي تقيم علاقات عسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي من خلال جناحها المسلح المعروف باسم قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

وبعد مشاركتها في هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية"، وجدت نفسها في مواجهة قضية شائكة ألا وهي قضية السجناء الذين ترفض الدول الأوروبية استعادتهم، باستثناء النساء والأطفال الذين تمَّ الافراج عن بعضهم هذا الصيف بأعداد قليلة. ووفقاً لتقريررابط خارجي صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش غير الحكومية، كان هناك في مارس 2021 حوالي 63400 امرأة وطفل في المخيمات و10000 رجل و700 مراهق ويافع تتراوح أعمارهم بين 14 و17 في السجون، ويمثلون 58 جنسية مختلفة.

وجهات نظر مختلفة

في برن، يبدو الأمر في غاية الوضوح: إنَّ ممثلية الإدارة الذاتية لا تُعتبر تمثيلاً دبلوماسياً، وإنما جمعية بالمعنى المنصوص عليه في القانون المدني السويسري، وحيث الأحكام غير مقيدة، إلا في حال إنشاء جمعية لغرض غير قانوني بالمعنى المنصوص عليه في التشريع السويسري.

في السياق، يقول جوردي تيجيل، الأستاذ في جامعة نوشاتيل والمتخصص بالمسألة الكردية: «من وجهة نظر سويسرا، هي جمعية، ولكن بالنسبة للأكراد والأعضاء الآخرين من هذه المجموعة، فهي بعثة. نحن هنا بصدد وجهات نظر مختلفة».

إنها نوعاً ما سياسة الأمر الواقع، بمثابة خطوات صغيرة نحو الاعتراف بها كجهة متحدثة مع سويسرا والدول الأوروبية، والأمم المتحدة وجنيف الدولية، يتابع المتخصص. «هذه هي نفس الاستراتيجية التي كان قد اتبعها الأكراد العراقيون منذ التسعينيات. في برن، كان الأكراد قد أنشأوا شبه قنصلية حيث كانوا يمنحون فيها تأشيرات دخول. هذه الأمور لا تبوح بمسمياتها، وإنما تخلق الواقع. لكن، أعتقد هذه المرة أنَّ الهدف هو إسماع صوتهم أكثر من الاعتراف بهم كدولة، لأنهم ليسوا كذلك».

تركيا غاضبة جداً

مع ذلك، عبرت تركيا عن استيائها الكبيررابط خارجي من افتتاح هذه «الممثلية». ومع أنَّ الإدارة الذاتية لا تتكون من الأكراد فقط، إلا أنَّ حزباً كردياً، حزب الاتحاد الديمقراطيرابط خارجي (YPD)، هو الذي يترأسها. وبحسب أنقرة، هذا الحزب هو مُقرَّب من حزب العمال الكردستاني (بي كا كا)، وهو منظمة سياسية كردية مسلحة ناشطة بشكل رئيسي في تركيا، ولكن أيضاً في سوريا وإيران والعراق، والتي تعتبرها تركيا والعديد من الدول منظمة إرهابية.

 محمد بالسي، الشريك المؤسس والمدير المشارك في منظمة "الكفاح من أجل الإنسانيةرابط خارجي"، غير الحكومية التي يوجد مقرها في جنيف وتدافع عن حقوق الإنسان والقانون الإنساني في هذه المنطقة، يؤكد قائلاً: «تركيا ترفض الاعتراف بقوات سوريا الديمقراطية (قسدرابط خارجي) التي تنتمي إليها وحدات حماية الشعبرابط خارجي الكردية [الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي]. وهي تتهم سويسرا بدعم حزب العمال الكردستاني وبالتالي بدعم الإرهاب، إلا أنَّ الواقع مختلف تماماً».

أما ماركو ساسّولي، أستاذ القانون الدولي الإنساني في جامعة جنيف، فيحتج بقوله: «إنَّ عدم سماح الأمم المتحدة للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بالجلوس على طاولة المفاوضات بسبب مُعارضة تركيا، في حين تشارك جميع الفصائل الارهابية والاسلامية هو فضيحة مدوية. مع أنها واحدة من أفضل الجهات الفاعلة الرسمية والأكثر تنظيماً ولديها الإدارة الأكثر استقراراً. فالإدارة الذاتية تتحمل الأعباء، وتحاول محاكمة سجناء الحرب واحتجازهم دون تركهم للموت جوعاً. وعلى حد علمي ـ ولكنني لست على أرض الواقع ـ، فهي تتصرف بشكل أفضل من الآخرين"، على حد قوله.

وفي هذا الصدد، يقول محمد بالسي موضحاً أنَّ الإدارة الذاتية هي إدارة منظمة، تدير العديد من الهيئات انطلاقاً من الصحة ووصولاً إلى التعليم، ومروراً بالدفاع والعلاقات الخارجية، والجامعات، حيث يزيد عدد الطلاب عن 700 ألف طالب، وعشرات المستشفيات والبلديات والسجون كما أنها تتولى شؤون القضاء.

نقل السجناء مهمة صعبة

يُشير جورجي تيجيل إلى أنَّ "وحدات حماية الشعب" الكردية اتُهِمَت بتجنيد القُصَّر وتهميش الأحزاب الكردية الأخرى لتكون هي القوة المُهيمنة. «المُفارقة هي أنَّ مشروع الإدارة الذاتية هو أن تكون مفتوحة لجميع الأعراق والأديان وأن تعزز المساواة بين الرجل والمرأة، ولكن شريطة الاتفاق مع برنامج الحزب. أما أولئك الذين لا يتبنون أيديولوجيتها فهم غير موجودين في الإدارة، لا على المستوى الاقليمي ولا على المستوى البلدي. إنها مفارقة، ولكن في نهاية الأمر، في جميع الثورات كان الثوار دائماً على حق..».

يجب التحدث مع هؤلاء الناس سواءٌ هنا أو هناك، لأنهم يحتجزون مواطنين سويسريين لا تريد سويسرا استعادتهم

ماركو ساسولي، أستاذ القانون الدولي الإنساني بجامعة جنيف

End of insertion

من جهته، يقول ماركو ساسولي: «يجب التحدث مع هؤلاء الناس سواء هنا أو هناك، لأنهم يحتجزون مواطنين سويسريين لا تريد سويسرا استعادتهم. ومع ذلك، من وجهة نظر قانونية، الأمر في غاية الحساسية، لأنهم لو تمت محاكمتهم من قبل دولة ما، لكان من الممكن تحويلهم إلى سويسرا لقضاء فترة عقوبتهم فيها. أما إذا تمت محاكمتهم من قبل جهة فاعلة غير حكومية مثل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وتمَّ ترحيلهم إلى سويسرا، فبإمكانهم المطالبة بالإفراج عنهم، لأنَّ الحكم الصادر بحقهم غير مُعترف به بموجب القانون السويسري».

بدوره، يرى حكمت ابراهيم، مدير ممثلية الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا أن «هناك عدة مشاكل مشتركة توحدنا ونتشارك فيها مع المجتمع الدولي، لا سيما مسألة مكافحة الإرهاب وترسيخ الأمن والاستقرار». لقد صار الإرهاب يُشكل تهديداً دولياً، وللقضاء عليه، فإنَّ "مشاركة الجميع، بما في ذلك الإدارة الذاتية التي تمثل عدداً كبيراً من الجهات الفاعلة السورية، ضرورية" بحسب رأيه.

أخيرا، يعتقد ماركو ساسّولي أنَّ: «في الخلفية، هناك مسألة تقرير المصير للأكراد، التي ينبغي حلها يوماً ما والتي لا تعني بالضرورة قيام دولة مستقلة. وفي هذه الأثناء، تخلت الولايات المتحدة عن الأكراد كما فعلت ذلك مع الأفغان».

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.